تجاوز إلى المحتوى

الدحة والربابة.. موروث صوتي في ذاكرة الحدود الشمالية

طلال التميمي • • 2 دقائق قراءة

تُمثل الأهازيج الجماعية وألحان الربابة جانبًا من الذاكرة الثقافية لمنطقة الحدود الشمالية، بما تحمله من مفردات وألحان وأنماط أداء ارتبطت بالحياة الاجتماعية في المنطقة، فيما يبرز اليوم العالمي للتراث السمعي البصري، الذي يوافق 27 أكتوبر من كل عام، أهمية توثيق هذه الفنون بالصوت والصورة، والمحافظة على خصائصها الأدائية للأجيال المقبلة.
ويأتي فن «الدحة» ضمن أبرز الفنون الشعبية المعروفة في المنطقة، إذ يقوم على الأداء الجماعي وترديد الأهازيج بإيقاعات صوتية متناسقة، تصاحبها حركات أدائية مميزة، ارتبطت بالمناسبات الاجتماعية والاحتفالات الشعبية، وشكّلت إحدى صور التعبير الثقافي المتوارث بين الأجيال.
وتبرز أهمية التسجيل المرئي لهذا الفن في قدرته على حفظ عناصر لا تنقلها المدونات المكتوبة وحدها، ومنها انتظام الصفوف، وتتابع الأصوات، وحركات المؤدين، وطريقة التفاعل بين المشاركين، إلى جانب توثيق الأهازيج بمفرداتها المحلية وأساليب أدائها المختلفة.
وفي المقابل، تحضر الربابة بوصفها آلة وتريّة تقليدية ارتبطت بمجالس البادية ورواية الشعر النبطي، حيث رافقت ألحانها قصائد تناولت الفروسية والكرم والحنين ووصف الصحراء، وأصبحت جزءًا من تقاليد السمر والرواية الشفهية في المجتمع المحلي.
وتكتسب التسجيلات الصوتية لعازفي الربابة أهميتها من حفظ الألحان وطرائق العزف والإنشاد، إلى جانب أصوات الرواة وطريقة إلقائهم للقصائد، وما تتضمنه من مفردات وصور شعرية تعكس جوانب من البيئة الصحراوية والحياة الاجتماعية في المنطقة.
وتختلف طبيعة التوثيق بين الفنيّين؛ إذ يتطلب حفظ الدحة تسجيلًا يجمع الصوت والصورة لإظهار عناصر أدائها الجماعي، بينما يُتيح تسجيل الربابة توثيق العلاقة بين اللحن والصوت الشعري وطريقة العزف، بما يحافظ على الخصائص الفنية لكل منهما.
وشكّلت المجالس والتجمعات الاجتماعية في منطقة الحدود الشمالية بيئة لانتقال هذه الفنون بين الأجيال بالممارسة والاستماع والمشاركة، قبل أن تتيح تقنيات التسجيل الحديثة وسائل إضافية لحفظ أدائها وتوثيق أصوات ممارسيها.
ويبرز اليوم العالمي للتراث السمعي البصري أهمية المحافظة على التسجيلات التاريخية والمواد الصوتية والمرئية من التلف والفقد، من خلال رقمنتها وفهرستها وحفظ بياناتها، بما يُتيح الاستفادة منها في الدراسات الثقافية والتاريخية والإنتاج الوثائقي، ويسهم في صون جوانب من الذاكرة الشعبية للمنطقة.

طلال التميمي

كاتب في صحيفة عين الإخبارية، يقدم محتوى إخبارياً ومقالات تواكب أبرز القضايا والموضوعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *