في تجربة تمزج جمال النحت وثراء الموروث، يروي الفنان التشكيلي محمد السلامة تاريخ منطقة الجوف ومعالمها عبر تحويل أحجارها الطبيعية إلى قطع فنية تنبض بهوية المكان.
وانطلقت هذه التجربة الفنية عام 2020م متخذة من البيئة المحلية مصدرًا للإلهام؛ حيث تُجمع الأحجار من المناطق البرية والبيئة الزراعية في منطقة الجوف، ولا سيما مناطق الحماميات وجبال قيال، ليصار إلى إعادة تشكيلها وفق رؤى فنية تستلهم طبيعة المنطقة وعراقة تاريخها.
ويعتمد الفنان في تنفيذ أعماله على أدوات يدوية تشمل الإزميل، والسكين، والمبرد، إلى جانب أجهزة كهربائية مخصصة للقص، والنحت، والتنعيم, ويستفيد من تنوع الأحجار المحلية واختلاف خصائصها مستخدمًا أحجار: الصوان، والعقيق الخام، والكثان، وحجر الجندل، التي تتفاوت في صلابتها وألوانها وقدرتها على التشكيل.
وتتخذ هذه الأعمال أشكالًا متعددة، من بينها مجسمات تحاكي معالم الجوف الشهيرة، وأخرى تجسد حيوانات البيئة المحلية، إضافة إلى قطع وتحف فنية مخصصة للهدايا التذكارية, ويوظّف الفنان خشب أشجار الزيتون في تشكيل مجسمات خشبية كبيرة، مما يضفي بُعدًا إضافيًا على تجربته المستوحاة من البيئة.
وتتنوع أساليب النحت التي يمارسها بين البارز، والغائر، والمجسم ثلاثي الأبعاد، فضلًا عن النحت الحركي؛ ما يمنح القطع الفنية تنوعًا غنيًا في التكوين والتفاصيل، ويتيح تقديم الحجر والخشب في قوالب تتجاوز وظيفتيهما الطبيعيتين إلى أعمال تحمل قيمًا جمالية وتراثية عالية.
وشهدت التجربة مشاركة الفنان في أكثر من 10 معارض متنوعة وورش عمل فنية بمنطقة الجوف، مما أسهم في تعريف الزوار بهذا الفن الذي يحظى باهتمام لافت، لما يميزه من توظيف للأحجار الطبيعية المحلية في أعمال تحاكي البيئة والتاريخ الزاخر للمنطقة.
ويرتبط النحت تاريخيًا بالكتابة والتدوين، إذ استخدمته الحضارات القديمة لتوثيق الأحداث وتخليد الحياة اليومية، ليأتي هذا الإبداع امتدادًا معاصرًا لذلك الإرث عبر توظيف خامات البيئة المحلية لرواية قصة المكان واستحضار ذاكرته.
وتقدم هذه الأعمال نموذجًا حيًا للفن المستلهم من البيئة؛ حيث يلتقي الحجر المحلي بالأدوات الفنية ليشكلا قطعًا تحمل في تفاصيلها روح طبيعة الجوف وتاريخها، محوِّلة خامات المكان إلى ذاكرة بصرية وفنية تحفظ حضور المنطقة في قالب إبداعي متفرد.
النحت يحوّل أحجار منطقة الجوف إلى قطع فنية قيّمة لاستحضار تاريخها ومعالمها




