في أزقة جدة التاريخية لا تبدو الرواشين الخشبية مجرد تفاصيل جمالية تزين واجهات المباني، بل تمثل جزءًا أصيلًا من هوية المدينة وذاكرتها المعمارية، بما تحمله من نقوش وتفاصيل تعكس مهارة الحرفيين وتكيف العمارة مع المناخ واحتياجات السكان.
وفي مشهد يعكس انتقال هذه الحرفة إلى جيل جديد، يتعلم يافعون وشباب سعوديون مهارات صناعة وترميم الرواشين، متدربين على التعامل مع الخشب التقليدي، وفهم تفاصيل الزخارف وطرق التشكيل والتركيب، بما يسهم في الحفاظ على إحدى أبرز السمات البصرية لجدة التاريخية.
عملية الترميم لا تقتصر على إصلاح القطع الخشبية، إذ تتطلب معرفة دقيقة بأساليب البناء التقليدية وخصائص كل روشان، والمحافظة قدر الإمكان على عناصره الأصلية وتفاصيله التاريخية، وهنا يتحول الحرفي إلى حافظ لذاكرة المكان، يقرأ في الخشب آثار الزمن ويعيد إليه الحياة دون أن يفقده ملامحه القديمة.
وتكتسب هذه المهارات أهمية متزايدة مع أعمال ترميم وإحياء المباني التاريخية، التي تتطلب كوادر وطنية قادرة على التعامل مع عناصر العمارة التقليدية، ومنها الرواشين والأبواب والزخارف الخشبية.
وتعد الرواشين من أبرز عناصر العمارة التراثية، إذ جمعت بين الجمال والوظيفة، فأسهمت في إدخال الضوء والهواء إلى المنازل، مع توفير الخصوصية للسكان، لتصبح مع مرور الزمن علامة مميزة لواجهات جدة التاريخية.
وهكذا، لا يتعلم هؤلاء الشباب النجارة فحسب، بل يتعلمون “لغة الخشب” التي صاغ بها الأجداد جزءًا من شخصية جدة التاريخية؛ لتنتقل الحرفة من أيدي الحرفيين القدامى إلى جيل جديد قادر على صونها واستمرار حضورها, فكل روشان يُرمم اليوم لا يستعيد شكله فحسب، بل يستعيد معه جزءًا من ذاكرة جدة التاريخية.



