تجاوز إلى المحتوى

خمس قصص تراثية تكشف جوانب من تاريخ العُلا العريق

بدر الحازمي 4 دقائق قراءة

ترسم العُلا عبر شواهدها الأثرية وتنوع موروثها الثقافي فصولًا متعاقبة من تاريخ الإنسان في شمال غرب الجزيرة العربية؛ إذ ارتبطت منذ القدم بطرق التجارة والتواصل، وتعاقبت على أرضها حضارات وممالك تركت إرثًا لا تزال تفاصيله حاضرة في المواقع الأثرية والنقوش والفنون والممارسات الاجتماعية.
وتحتضن العُلا شواهد على وجود بشري يمتد إلى 200 ألف عام، إلى جانب تاريخ من الاستيطان يعود إلى ما لا يقل عن 7 آلاف عام، فيما تروي مواقعها الأثرية وموروثها الثقافي خمس قصص تكشف جوانب من هذا الامتداد التاريخي والتواصل الحضاري.
وتبدأ أولى هذه القصص من الحِجر؛ حيث تقف المقابر النبطية المنحوتة في التكوينات الصخرية شاهدًا على مستوى متقدم من العمارة والنحت، وعلى ما شهدته المنطقة من تواصل مع حضارات العالم القديم, ويعد الحِجر أول موقع في المملكة العربية السعودية يدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، ويضم نحو 141 مقبرة، منها 93 مقبرة مزخرفة.
وتكشف واجهات المقابر عن تنوع في التأثيرات المعمارية والفنية؛ إذ مزج نحاتو الحجارة الأنباط بين الأفاريز ذات الطراز المصري، وزخارف بلاد الرافدين، والأقواس والأعمدة والتيجان اليونانية والرومانية الكلاسيكية، وصاغوها ضمن أسلوب نبطي مميز، بما يعكس براعة النحاتين وما شهدته المنطقة من تفاعل حضاري.
وتحمل شواهد الحِجر الأثرية آثار مراحل حضارية متعددة انعكست على العمارة والنقوش ومظاهر الحياة، بما يجسد مكانة الموقع ضمن طرق التجارة والتواصل التي ربطت شمال الجزيرة العربية بمحيطها عبر العصور.
وتنتقل القصة الثانية إلى دادان ولحيان؛ إذ شهدت العُلا خلال الألفية الأولى قبل الميلاد ظهور مملكتي دادان ولحيان، وهما من أبرز الممالك القديمة في شبه الجزيرة العربية، وأظهرتا تطورًا حضاريًا يتجلى في تخطيط المدن والهندسة المعمارية والنقوش، فيما مثلت العُلا مركزًا للأنشطة التجارية والدينية والسياسية، بما يعكس أهمية المنطقة في التاريخ العربي القديم.
وتكشف التماثيل الضخمة المنحوتة من الحجر الرملي في دادان عن براعة في فن النحت؛ إذ يتجاوز عدد منها الحجم الطبيعي، وتتميز بتفاصيل منحوتة بعناية تعكس تقاليد فنية محلية متقدمة لدى الحضارتين الدادانية واللحيانية.
ويتجلى هذا الإرث كذلك في التماثيل التي تعود على الأرجح إلى ملوك لحيان، وفي مقابر الأسود، ورغم ما يظهر عليها من تأثيرات فنية من مصر وبلاد الرافدين، فإنها تحمل أسلوبًا مميزًا متجذرًا في العُلا، يعكس تقاليد محلية راسخة في فن النحت على الحجر.
وتروي القصة الثالثة طريق البخور الذي أسهم في ربط أجزاء واسعة من العالم القديم، وكانت العُلا إحدى محطاته المهمة؛ حيث عبرت من خلالها القوافل المحملة بالبخور والتوابل والمجوهرات وغيرها من البضائع، ما أتاح تفاعلًا بين التجار والثقافات والأفكار والحرف القادمة من مناطق مختلفة من شبه الجزيرة العربية وخارجها.
ولم يقتصر أثر الطريق على حركة البضائع، بل امتد إلى التبادل الثقافي والمعرفي، وهو ما تظهر ملامحه في عدد من الشواهد الأثرية والفنية التي تعكس موقع العُلا ضمن شبكة واسعة من التواصل بين المجتمعات والحضارات القديمة، فيما يأتي متحف طريق البخور ضمن المشاريع التي تقدم نافذة للتعرف على هذا الإرث وتاريخ المنطقة.
وتروي القصة الرابعة حضور الإبل في حياة العُلا وطرق التجارة القديمة؛ إذ أسهم تدجينها بحلول الألفية الأولى قبل الميلاد في إحداث تحولات اجتماعية واقتصادية في شبه الجزيرة العربية، لما امتازت به من قدرة على حمل البضائع وقطع المسافات الطويلة عبر البيئات الصحراوية، الأمر الذي أسهم في تسهيل حركة القوافل والتجارة بين المناطق البعيدة.
وتجاوز حضور الإبل دورها في النقل والتجارة؛ إذ ارتبطت بالحياة اليومية واكتسبت مكانة بوصفها رمزًا للقوة والتحمل، فيما توثق الرسوم الصخرية والاكتشافات الأثرية في العُلا جوانب من حضورها ودورها في حياة المجتمعات التي عاشت في المنطقة.
وتصل القصة الخامسة إلى الطنطورة في قلب البلدة القديمة بالعُلا، وهي بناء حجري تقليدي استخدم على مدى قرون للاستدلال على المواسم وتعاقب الفصول من خلال حركة ظل الشمس، بما يعكس معرفة أهالي العُلا ببيئتهم وارتباط حياتهم اليومية والزراعية بتغير الفصول.
وكان وصول ظل الشمس خلال الانقلاب الشتوي في ديسمبر إلى حجر محدد في الساحة يشير إلى بداية “المربعانية”، وهي فترة شتوية تمتد 40 يومًا، واستفاد أهالي العُلا من الطنطورة في تنظيم تقويمهم الزراعي وتحديد مواسم المحاصيل الشتوية، ومنها القمح والشعير.
وتجتمع هذه القصص الخمس في مشهد تراثي متنوع يجعل من العُلا رحلة عبر الزمن، بما تحمله مواقعها وشواهدها من قصص الحضارات والممالك القديمة وطرق التجارة والموروث المحلي الذي ظل حاضرًا عبر الأجيال.
وفي هذا السياق، يبرز مخطط “رحلة عبر الزمن”، وهو برنامج لتطوير وتأهيل المواقع الأثرية والواحات الطبيعية والثقافية في محافظة العُلا، تشرف عليه الهيئة الملكية لمحافظة العُلا، ويتضمن تطوير وإحياء خمسة مراكز ثقافية بحلول عام 2035، لتحويل العُلا إلى وجهة عالمية ثقافية وتراثية وفنية.
ويتكون المخطط من خمسة مراكز هي: واحة البلدة القديمة، وواحة دادان، وواحة جبل عكمة، والواحة النبطية، ومدينة الحِجر الأثرية، وتضم المراكز متاحف ومعارض وعددًا من المرافق الثقافية، إلى جانب تجارب إقامة تعبر عن الهوية الثقافية والطبيعية للمنطقة.

بدر الحازمي

كاتب في صحيفة عين الإخبارية، يقدم محتوى إخبارياً ومقالات تواكب أبرز القضايا والموضوعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *