أكّد متحدثون في الجلسة الأولى لمسار خدمات ضيوف الرحمن بعنوان “جهود المملكة العربية السعودية في تطوير منظومة خدمة ضيوف الرحمن عبر العقود”، أن المملكة تمضي في تطوير منظومة الحج وفق نموذج تشغيلي متكامل يجمع بين الأمن والخدمات والبنية التحتية والحوكمة التقنية، بما يعزز تجربة الحاج ويرسّخ مكانة المملكة العالمية في خدمة الإسلام والمسلمين.
وشهدت الجلسة، التي أقيمت ضمن أعمال ندوة الحج الكبرى بمدينة جدة في فندق الريتز كارلتون، مشاركة نخبة من القيادات التنفيذية والأمنية والخدمية، بحضور وفود تمثل أكثر من (80) دولة ومشاركة ما يزيد على (1000) متحدث ومتخصص في شؤون الحج والخدمات المرتبطة به.
وتحدث خلال الجلسة كل من نائب وزير الحج والعمرة الدكتور عبدالفتاح بن سليمان مشاط، والرئيس التنفيذي للهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة المهندس صالح بن إبراهيم الرشيد، وأمين العاصمة المقدسة مساعد بن عبدالعزيز الداود، والرئيس التنفيذي لبرنامج خدمة ضيوف الرحمن المهندس محمد أبو الخير إسماعيل.
وأكّد نائب وزير الحج والعمرة الدكتور عبدالفتاح مشاط أن مرور (50) عامًا على إقامة ندوة الحج الكبرى يعكس عمقها المؤسسي ودورها المحوري في مناقشة التحديات والقضايا المرتبطة بالحج، مبينًا أن ما يُطرح داخل الندوة لا يتوقف عند حدود الطرح النظري، بل يبدأ من طاولات النقاش وصولًا إلى التنفيذ والتشغيل الميداني، بما يسهم في تحسين تجربة الحجاج ورفع جودة الخدمات المقدمة لهم عامًا بعد عام.
من جانبه، أكّد أمين العاصمة المقدسة مساعد الداود أن مكة المكرمة تتجه نحو ترسيخ مفهوم “المدينة الحضارية الصديقة للإنسان”، لافتًا الانتباه إلى أن العاصمة المقدسة تضم اليوم نحو (62) نفقًا ضمن مشاريع البنية التحتية الهادفة إلى تسهيل الحركة والتنقل، مشددًا على أن سلامة الحاج والنظافة العامة والرقابة الغذائية تمثل أولوية قصوى، مع التركيز على منع أي أوبئة أو حالات تسمم حفاظًا على صحة ضيوف الرحمن.
وفي السياق ذاته، أوضح الرئيس التنفيذي للهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة المهندس صالح الرشيد أن خدمة ضيوف الرحمن في المملكة تمثل واجب دولة ومنهج حكم، ومسارًا ممتدًا من العناية التاريخية بالحرمين الشريفين إلى العمل المؤسسي المنظم، بما يعزز التكامل بين الجهات ويرفع جودة الخدمات المقدمة للحاج والمعتمر والزائر.
وأشار إلى أن المادة الرابعة والعشرين من النظام الأساسي للحكم أرست مبدأ إعمار الحرمين الشريفين وخدمتهما وتوفير الأمن والرعاية لقاصديهما، بما يمكّن من أداء الحج والعمرة والزيارة بيسر وطمأنينة، مبينًا أن هذه المبادئ شكّلت الأساس الذي انطلقت منه مسيرة التطوير الحديثة لمنظومة الحج.
وأوضح أن دخول الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- إلى مكة المكرمة مثّل نقطة تحول في رعاية البيت الحرام وقاصديه، من خلال الانتقال إلى نهج مؤسسي قائم على التنظيم وتيسير أداء الشعائر، مستشهدًا بقرار توحيد الصلاة خلف إمام واحد في المسجد الحرام بوصفه خطوة تنظيمية عززت وحدة المسلمين واجتماعهم.
وأكّد أن نمو أعداد القاصدين يعكس حجم التحول الذي تشهده منظومة الخدمة، موضحًا أن عدد معتمري الخارج ارتفع من نحو (8.5) ملايين معتمر في عام (2019) إلى نحو (18) مليون معتمر في عام (2025)، بما يعزز الحاجة إلى تخطيط أكثر شمولية ومنظومة تشغيلية قادرة على استيعاب هذا النمو المتسارع، لافتًا الانتباه إلى أن مكة المكرمة أصبحت ضمن أكثر المدن جذبًا للزوار الدوليين عالميًا، واحتلت المرتبة الخامسة عالميًا والأولى عربيًا في هذا المجال.
وتناول الرشيد منظومة النقل بوصفها إحدى أبرز صور التحول في خدمة ضيوف الرحمن، مبينًا أن المركز العام للنقل أسهم في بناء منظومة أكثر تنظيمًا تقوم على التخطيط والتشغيل وقياس الأداء وتكامل وسائل النقل المختلفة، بما يحقق انسيابية أكبر في حركة الحجاج بين مكة والمشاعر المقدسة، خاصة خلال أيام التصعيد والنفرة.
وتطرق الرشيد إلى مشروع المملكة العربية السعودية للإفادة من الهدي والأضاحي “أضاحي”، واصفًا إياه بأنه أحد أكبر المشاريع التشغيلية في العالم الإسلامي، بطاقة تشغيلية تتجاوز (1.2) مليون رأس من الأضاحي، توزّع على نحو (25) دولة إسلامية، في نموذج يعكس كفاءة التشغيل واتساع الأثر الإنساني، ويجسد الامتداد المعاصر لقيمة الرفادة التي عُرفت بها مكة المكرمة عبر تاريخها.
من جهته، أكد الرئيس التنفيذي لبرنامج خدمة ضيوف الرحمن المهندس محمد أبوالخير إسماعيل أن البرنامج يمثل امتدادًا لجهود ملوك المملكة في خدمة بيت الله الحرام والعناية بضيوف الرحمن ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، مشيرًا إلى أن أكثر من (60) جهة حكومية تعمل بصورة تكاملية داخل منظومة الحج.
وأوضح أن ثقافة قياس الأداء أصبحت اليوم جزءًا أساسيًا من العمل المؤسسي، من خلال اعتماد (85) مؤشرًا تفصيليًا موحدًا لقياس جودة الخدمات ونجاح تجربة الحاج، بما يضمن وجود قراءة دقيقة ومشتركة بين مختلف الجهات. وأضاف أن مكتب إدارة مشاريع الحج يراجع سنويًا أكثر من (600) خطة تشغيلية مقدمة من الجهات الأمنية والخدمية، تحت إشراف سمو وزير الداخلية رئيس لجنة الحج العليا، بهدف ضمان تكامل الخطط وتناغمها ورفع كفاءة التنفيذ الميداني.
وعكست الجلسة حجم التحول الذي تشهده منظومة الحج في المملكة، بوصفها نموذجًا عالميًا في الإدارة المتكاملة للحشود والخدمات الإنسانية، مدعومة ببنية تشغيلية وتقنية متقدمة تستهدف الارتقاء برحلة ضيوف الرحمن من لحظة الوصول وحتى إتمام المناسك في بيئة آمنة ومنظمة ومستدامة.
حج
عرض الكل“ندوة الحج الكبرى” ترصد تحوّل منظومة خدمة ضيوف الرحمن بجلسة حوارية تناقش تكاملًا تشغيليًا ووقائيًا يعيد رسم تجربة الحج
