في مشهدٍ يستحضر ملامح الماضي ويجسد عمق الارتباط بالأرض، تتواصل في أعالي جبال الحشر بمنطقة جازان ممارسة حراثة الأرض باستخدام الثيران، بوصفها إحدى أقدم الأساليب الزراعية التقليدية التي لا تزال حاضرة في حياة عدد من المزارعين، محافظةً على مكانتها رغم تطور وسائل الزراعة الحديثة.
ومع ساعات الصباح الأولى، يبدأ المزارع يومه ممسكًا بالمحراث الخشبي، فيقود ثورين رُبطا بعناية إلى الأداة البسيطة، لينطلقا بخطى منتظمة تشقّ التربة بهدوء، ويعمل المزارع على توجيه المحراث ليغوص في الأرض ويقلبها تدريجيًا، في عملية حرثٍ تُكرّر أكثر من مرة وباتجاهات مختلفة، بهدف تهيئة التربة وتهويتها لتكون صالحة للزراعة.
وفي هذا السياق، أوضح المزارع محمد جابر الصهيفي أن الحراثة بالثيران تمثل جزءًا أصيلًا من الموروث الزراعي في جبال الحشر، مشيرًا إلى أن هذه الطريقة تمنح التربة عناية خاصة وتساعد في الحفاظ على جودتها، إلى جانب ما تحمله من ارتباط وجداني بالأرض وتقاليد الآباء والأجداد.
من جانبه، أشار الحراث جابر الصهيفي إلى أن قيادة الثيران في الحقول تحتاج إلى خبرة وصبر، حيث يتعلّم المزارع مع الوقت كيفية توجيهها وضبط حركة المحراث بما يتناسب مع طبيعة الأرض، مؤكدًا أن العمل بهذه الطريقة يعزز الشعور بقيمة الجهد ويمنح الزراعة طابعًا إنسانيًا خاصًا.
وترتبط هذه الممارسة بمواسم الأمطار، حيث يبدأ المزارعون بحرث أراضيهم مع أولى بشائر الغيث في أواخر الربيع وبداية الصيف، اعتمادًا على خبرتهم المتوارثة في قراءة مؤشرات الطبيعة، وبعد تهيئة التربة، تُبذر المحاصيل التقليدية، وفي مقدمتها الذرة والدخن، اللذان يُعدّان من أبرز المحاصيل الملائمة للبيئة الجبلية، لقدرتها على التكيّف مع طبيعة الأرض والاعتماد على مياه الأمطار.
وتُزرع الذرة في خطوطٍ متباعدة داخل التربة المحروثة، بما يتيح لها مساحة كافية للنمو، فيما يُزرع الدخن بأسلوب مشابه، مع تمتّعه بقدرة أكبر على تحمّل الظروف المناخية القاسية، ولا تتطلب هذه المحاصيل تقنيات حديثة، إذ تعتمد بشكل أساسي على خصوبة التربة والعناية اليدوية.
وتتواصل مراحل الزراعة بالعناية اليومية بالمحصول، من إزالة الأعشاب الضارة يدويًا إلى متابعة نمو النباتات حتى حلول موسم الحصاد، الذي يُمثل محطةً مهمة تتجلى فيها ثمار الجهد والصبر.
ويؤكد عدد من المزارعين أن تمسّكهم بحراثة الثيران لا يعود إلى محدودية الإمكانات، بل إلى قناعتهم بما تحققه هذه الطريقة من جودة في التربة وبركة في الإنتاج، إلى جانب كونها جزءًا من الموروث الزراعي الذي يجسد هوية المنطقة وخصوصيتها الثقافية.
وتظل جبال الحشر شاهدًا حيًا على استمرارية هذا النمط الزراعي، الذي يجمع بساطة الوسائل وعمق الدلالة، في صورةٍ تعكس ارتباط الإنسان بأرضه واعتزازه بإرثه المتوارث عبر الأجيال.
ثقافي
عرض الكلبين الضباب والمدرجات الزراعية.. حراثة الثيران تحكي إرث جبال الحشر
