كشفت أوراق الدورة الثانية من ملتقى “فضاءات نقدية” الذي نظمته جمعية الأدب المهنية بمقرها في الرياض لمدة يومين، عن رؤى نقدية متجددة أعادت مفهوم الفروسية في الثقافة العربية، بوصفه بنية رمزية وثقافية تتجاوز بعدها القتالي إلى فضاءات الهوية والتمثيل الجمالي والتحولات التاريخية، حيث توزعت المداخلات بين استعادة التراث، ومقارنة تمثلاته، واستكشاف امتداداته في الخطابات الأدبية والفنية المعاصرة.
وخلال الملتقى الذي اختتمت فعالياته أمس، قدّمت الدكتورة حصة المفرّح قراءة ثقافية في السيرة الشعبية، مركّزة على تمثلات الجسد بوصفه عنصرًا دلاليًا فاعلًا في بناء الهوية البطولية. وأوضحت أن “السواد” في سيرتي عنترة وأبي زيد الهلالي لا يُفهم بوصفه وصفًا جسديًا فحسب، بل علامة ثقافية تتراوح بين الإقصاء والاعتراف، حيث يتحول من موضع ريبة إلى مصدر شرعية بطولية، في انتقال من صراع فردي عند عنترة إلى رمز جماعي قدري عند الهلالي.
ومن زاوية تاريخية رمزية، تتبّع الدكتور حسين أبوالفرج تحوّل الفروسية في الشعر العربي من تجربة واقعية إلى رمز ثقافي، مبيّنًا أن صورة الفارس انتقلت من تجليات البطولة اليقينية في الشعر الجاهلي إلى خطاب مأزوم في الشعر الحديث، كما يتجلى في المقارنة بين المتنبي وأمل دنقل، حيث تصبح الفروسية تعبيرًا عن أزمة الهوية والانكسار.
أما الدكتورة زكية العتيبي فاشتغلت على “الصورة المضمرة للفارس” في وصف الخيل، مؤكدة أن الشاعر العربي يعكس ذاته الفروسية عبر وسيط رمزي هو الخيل. وبيّنت أن صورة الفارس عند امرئ القيس تتسم بالغضب والصراع المرتبط بسياق استعادة الملك، بينما تظهر عند الأمير خالد الفيصل بوصفها فروسية مستقرة واثقة، تعكس سياقًا سياسيًا واجتماعيًا مختلفًا.
وفي مقاربة ثقافية للهامش، تناول الدكتور صغيّر العنزي تمثيلات الفروسية في شعر المرأة الشعبي السعودي، كاشفًا أن هذه التمثيلات، رغم صدورها عن الهامش، غالبًا ما تعيد إنتاج تصورات المركز الذكوري للفروسية، مما يفسّر استمرارها في الذاكرة الشعبية.
من جانب آخر، درس الناقدان الدكتور عبدالله العمري والدكتورة أمينة الجبرين العرضة السعودية بوصفها فنًا أدائيًا تتحول فيه عناصر مثل السلاح والزي والخيل من وظائفها الحربية إلى رموز ثقافية وجمالية، مؤكّدين أن هذه العناصر تسهم في تشكيل الهوية الجمعية ضمن خطاب أدائي متكامل. وفي سياق الوعي الجمعي، أشار الدكتور علي الحمود إلى إسهام المخيلة الشعبية في صناعة صورة الفارس العربي، محولة شخصيات تاريخية مثل عنترة والزير سالم إلى نماذج أسطورية، مع إبراز التباين الأخلاقي بينهما، ودور الفروسية في ترسيخ مكانتهما في الوجدان العربي.
وعبر منظور مقارن، درس الدكتور علي المالكي العلاقة بين الفروسية والمظهر الخارجي من خلال نموذجي عنترة وسيرانو دي بيرجراك، موضحًا كيف يتقاطع العيب الجسدي مع القيم الفروسية في تشكيل الصراع الداخلي، خاصة في سياق الحب والاعتراف. وفي امتداد معاصر، تناول الدكتور محمد الخزّي حضور الفروسية في الرياضات التراثية، مشيرًا إلى تحوّل الخيل من معادل للحياة في الماضي إلى رمز لقيم مفقودة في الحاضر، في ظل تغير البنى الاجتماعية والسياسية.
كما قدّم الدكتور محمد الشريف قراءة تاريخية ثقافية للفروسية بوصفها منظومة قيمية، مبرزًا دورها في الانتقال من المجتمع القبلي إلى الدولة، حيث تحوّلت من أداة للزعامة الفردية إلى عنصر في بناء الشرعية السياسية والتنظيم الجماعي. وفي إطار المقارنة الحضارية، ناقش الدكتور محمد اللويش الفروسية بين المتنبي وتشوسر، مؤكدًا أن الفروسية ليست جوهرًا ثابتًا، بل هوية تُبنى تمثيليًا؛ فهي يقينية في النموذج العربي، مقابل قلق جدلي يكشف تناقضات المثال الأوروبي.
أما الدكتورة رانية العرضاوي فقد قدّمت قراءة فينومينولوجية لصورة الفارس، موضحة انتقالها من نموذج أسطوري مؤسس على الجسد والملحمية والأخلاق إلى صورة حديثة أكثر واقعية، تفقد هالتها القدسية لصالح تمثيلات الهوية المتحوّلة. وفي مجال الفن التشكيلي، درست الدكتورة منال العُمري التباين الجندري في تصوير الفارس والفارسة، كاشفة عن تأثير اللاوعي الجمعي والمرجعيات الثقافية في تشكيل الصورة الفنية، واختلاف تمثيلها بين الفنانين والفنانات.
واختتم الأوراق النقدية الدكتور عبدالله حامد بطرح مفهوم “فروسية العقل”، داعيًا إلى تجاوز خطاب الفخر المتضخم نحو خطاب نقدي يعترف بالآخر وينصفه، معتبرًا أن هذا الاعتراف يمثل شكلًا أرقى من الفروسية قائمًا على العدل والعقلانية.
وأبرزت مستخلصات أوراق الملتقى عدة نتائج من أبرزها التأكيد على تحوّل الفروسية من ممارسة قتالية إلى منظومة رمزية وثقافية متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها الأسطورة بالتاريخ، والجسد بالهوية، والماضي بالحاضر، في مشهد نقدي يفتح أفقًا جديدًا لقراءة التراث العربي.
وأشارت جمعية الأدب المهنية إلى أنها ستعكف على مراجعة الأبحاث وتدقيقها ومن ثم العمل على تحكيمها من خلال نقاد مختصين، بما يعرف بنقد النقد، ثم طباعة كامل المحتوى في كتاب (فضاءات نقدية – العدد 2) الذي من المتوقع أن يرى النور خلال الأشهر القادمة.
