بين حجارة رُصفت على سفوح جبل كرا قبل قرون، ومسارات حديثة تنساب اليوم بين منعطفاته، تختزن عقبة الهدا غرب الطائف قصة طويلة لعبور الإنسان في واحدة من أكثر التضاريس الجبلية وعورة؛ قصة بدأت بخطوات المسافرين والقوافل على “درب الجمالة”، وامتدت إلى طريق حديث أصبح أحد المحاور الرئيسة التي تصل مرتفعات الطائف بتهامة ومكة المكرمة.
وعند النظر إلى سفوح الجبل، تبدو ملامح مرحلتين مختلفتين من تاريخ النقل في مكان واحد؛ الدرب الحجري القديم يتتبع تضاريس الجبل في مسار ضيق ومتعرج، وعلى مقربة منه يمتد طريق الهدا بمساراته ومنعطفاته ومنشآته الهندسية، ليقدم الموقع صورة حية للتحول الذي شهدته طرق المملكة ووسائل التنقل عبر العقود.
ويُعرف المسار القديم باسم “درب الجمالة” أو “درب كرا”، ويعود تاريخه إلى أكثر من ألف عام، إذ أُنشئ بطريقة تتلاءم مع انحدارات الجبل، ورُصفت أجزاء منه بالحجارة لتسهيل عبور المشاة والجمال، وظل زمنًا طويلًا ممرًا للقوافل والحجاج والتجار، تُنقل عبره البضائع والمنتجات بين مرتفعات الطائف والمناطق الواقعة أسفل جبال السروات.
ولم يكن عبور جبل كرا قديمًا مجرد انتقال بين موقعين؛ إذ فرضت طبيعة المكان شديدة الانحدار مسارات تتدرج مع الجبل وتلتف حول صخوره، وهو ما تكشفه حتى اليوم أجزاء الدرب التي بقيت محتفظة بملامحها، شاهدة على أساليب الإنسان في التعامل مع البيئة الجبلية وتطويعها لخدمة تنقله وتجارته.
وأوضحت رئيس مركز تاريخ الطائف الدكتورة لطيفة العدواني لـ”واس”، أن عقبة كرا تمثل جزءًا مهمًا من الذاكرة التاريخية للطائف، لارتباطها بحركة العبور بين مرتفعات المحافظة وتهامة ومكة المكرمة منذ فترات تاريخية مبكرة، مشيرةً إلى أن “درب الجمالة” يعكس طبيعة وسائل التنقل التي عرفها أهالي المنطقة والمسافرون قديمًا، وقدرتهم على التعامل مع تضاريس جبل كرا الوعرة.
وبيّنت أن بقاء أجزاء من الدرب الحجري إلى جوار الطريق الحديث يمنح الموقع قيمة تاريخية وبصرية خاصة، إذ يمكن من خلاله استحضار مراحل تطور النقل في المنطقة، ومقارنة المسارات التي سلكتها القوافل والمشاة قديمًا بما وصلت إليه شبكة الطرق الحديثة من تطور هندسي، مؤكدةً أن المحافظة على مثل هذه الشواهد تسهم في توثيق ذاكرة المكان وتعريف الأجيال بتاريخ الطائف وطرقها القديمة.
وفي عام 1385هـ، دخل العبور بين الهدا وتهامة مرحلة مختلفة بافتتاح طريق السيارات عبر جبل كرا في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله-، لتبدأ صفحة جديدة في تاريخ العقبة، انتقلت معها حركة التنقل من الدروب المخصصة للمشاة والقوافل إلى طريق مهيأ للمركبات، أسهم في تعزيز الاتصال بين الطائف ومكة المكرمة.
وأضافت العدواني أن بعد ذلك توالت مشروعات تطوير الطريق ورفع كفاءته، لتواكب نمو الحركة المرورية وأهمية المسار، وشملت أعمال الازدواج وتحسين عناصر السلامة، وإنشاء الحواجز والجدران الاستنادية ووسائل تصريف مياه الأمطار، إلى جانب حماية القطوع والمنحدرات الصخرية، بما يتناسب مع الطبيعة الجغرافية التي يشق الطريق مساره خلالها.
ويمثل طريق الهدا اليوم حكاية أكبر من كونه أحد المداخل الجبلية البارزة إلى محافظة الطائف إلى كونه معلمًا سياحيًا وتاريخيًا وشاهدًا على مدى تطور عجلة التنمية في بلادنا الغالية، كما يسهم في اختصار مسافة الوصول إلى مكة المكرمة بنحو (50) كيلومترًا، فيما أضفت إطلالاته المرتفعة وتكوينات جبل كرا المحيطة به بعدًا سياحيًا على وظيفته في حركة النقل، ليصبح الطريق جزءًا من المشهد الذي ارتبط بمنطقة الهدا ووجهاتها الطبيعية.
وتبرز خصوصية الموقع في إمكانية قراءة تاريخ الطريق بصريًا؛ فمن نقاط مرتفعة على جبل كرا يمكن مشاهدة المسارات الحديثة وهي تلتف حول المنحدرات، بينما تظهر أجزاء من الدرب الحجري بمحاذاتها، في مشهد يجمع في نطاق جغرافي واحد بين الوسيلة التي عبر بها الإنسان الجبل قديمًا، وما وفرته مشروعات البنية التحتية الحديثة من طرق أكثر قدرة على استيعاب حركة التنقل.
وفي اليوم الوطني السعودي، يستعيد جبل كرا عبر طريقه القديم والحديث جانبًا من رحلة التنمية في المملكة؛ فبين أثر أقدام القوافل على حجارة “درب الجمالة” وحركة المركبات على طريق الهدا، تتجسد حكاية مكان ظل يؤدي الوظيفة ذاتها عبر الزمن؛ ربط الإنسان بالإنسان، والطائف بما وراء جبالها، مع تغير الوسيلة وبقاء الطريق شاهدًا على مراحل البناء والتطور.
على سفوح كرا.. طريقان يفصل بينهما أكثر من ألف عام




