تجاوز إلى المحتوى

الاستدامة البيئية في دولة الكويت.. من سياسات إستراتيجية إلى نهج يطبق وثقافة تمارس والغاية رفاه الإنسان

إيمان السهلي • • 8 دقائق قراءة

“النشرة البيئية لوكالة الأنباء الكويتية (كونا) ضمن الملف البيئي لاتحاد وكالات الأنباء العربية (فانا)”
تمضي دولة الكويت بثبات في رؤيتها الاستشرافية بجعل الاستدامة البيئية أولوية قصوى وركيزة إستراتيجية تنموية نحو غد أفضل تنشد التنمية المستدامة والعدالة البيئية للأجيال المقبلة، وكفاءة استخدام الطاقة بما ينسجم مع أهداف رؤية (كويت 2035) ودعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر.
وتتصدر قضية البيئة واستدامتها أولويات الحكومة الكويتية وأجندة عملها الراهنة، وخططها الإستراتيجية، إيمانًا منها بأن البيئة أساس التنمية المستدامة، وعليه وضعت مجموعة من السياسات الهادفة لحماية البيئة وتكثيف جهودها في تبني إستراتيجيات تحقق هذه الاستدامة مدفوعة بتوجيهات سامية من صاحب السمو أمير دولة الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح.
وإدراكًا من صاحب السمو، لأهمية الحفاظ على الموارد الطبيعية، والحد من التلوث يتولى مجلس الوزراء دورًا محوريًا في دفع الرؤى ذات الصلة بالاستدامة البيئية، من خلال متابعته الحثيثة لخريطة الطريق الوطنية الطويلة المدى، لتنمية منخفضة الكربون التي حلت كأولوية على أجندة اجتماعاته.
وفي موازاة ذلك تؤكد إستراتيجية الكويت منخفضة الكربون 2050، التي أطلقتها الهيئة العامة للبيئة في نوفمبر عام 2023 بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة والقطاعات المعنية بالدولة، التزام البلاد باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ حيث تعد الكويت الدولة الخليجية الثانية التي قدمت هذه الإستراتيجية.
وتسعى الكويت للوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2060، في وقت تولي اهتمامًا خاصًا بتنويع مصادر الطاقة في البلاد، من خلال تعزيز استخدام الطاقات المتجددة، واستبدال الوقود الأحفوري بالغاز المسال، والاستفادة من النفايات لتحقيق طاقة مستدامة.
ويمكن تعداد 15 إنجازًا وإستراتيجية اتخذتها الكويت في السنوات الأخيرة ضمن مسارها الأخضر، منها خريطة طريق وطنية، لخفض الكربون قدمتها الحكومة بالتعاون مع الهيئة العامة للبيئة، ووزارة النفط، وتهدف إلى تعزيز مرونة البلاد تجاه تغير المناخ باستخدام حلول ابتكارية وتقنية مستدامة.
وكذلك تعزيز الشراكات البيئية مع الصين، لإعادة تدوير النفايات، وتطوير الطاقة المتجددة، وتحسين البنية التحتية البيئية، في إطار مذكرة تفاهم دولية، وإطلاق إستراتيجية كويت منخفضة الكربون 2050 بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وهي ثاني إستراتيجية من نوعها في الخليج، وتهدف إلى تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2060.
ومن تلك الإنجازات تقرير حالة البيئة الأول، الذي أعد بالتعاون مع الأمم المتحدة وركز على سبع قضايا بيئية محورية مثل: تغير المناخ، وإدارة النفايات، والتنوع الأحيائي، والبيئة الساحلية، إضافة إلى مشاريع إستراتيجية بيئية منها الإستراتيجية البيئية الوطنية، وخطة مكافحة التصحر، والإدارة المتكاملة للنفايات، وتطوير قاعدة بيانات بيئية متكاملة، والمدن البيئية والمباني الخضراء، وذلك ضمن برنامج الدولة للتنمية لتعزيز جودة الحياة وبناء بنى تحتية ذكية وصديقة للبيئة.
ومنها أيضًا المخطط الهيكلي الرابع 2040 الذي يدعم فكرة (المدن الخضراء)، ويعزز التنمية الحضرية المستدامة بأسس صحية وبيئية حديثة، وقانون حماية البيئة الذي يتضمن سياسات لمنع التلوث، والحفاظ على الموارد الطبيعية، مع تحديد المخالفات البيئية وتشجيع السلوك المسؤول.
إضافة إلى استهداف 50 في المئة طاقة متجددة بحلول العام 2050، ضمن إستراتيجية وزارة الكهرباء والماء لتحقيق مزيج متوازن من الطاقة النظيفة.
كما تتضمن الإنجازات ثلاث مسارات لمشاريع الطاقة المتجددة، وهي مشاريع بعيدة المدى (الشقايا)، وقصيرة المدى (العبدلية)، ومشاريع صغيرة ملزمة عبر مدونة حفظ الطاقة، إضافة إلى مشاريع الشقايا للطاقة وهو مشروع طموح عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص سينتج 1600 ميجاواط.
والعمل على التشجير الشامل وزيادة المسطحات الخضراء، بقيادة هيئة الزراعة من خلال زراعة نباتات مقاومة للجفاف، وإنشاء الحواجز النباتية ضد التصحر، وإنشاء المحميات ودعم السياحة البيئية للحفاظ على التنوع الأحيائي، وتعزيز الوعي المجتمعي بالموروث البيئي، والتركيز على تطوير الحدائق والمتنزهات، لتصبح ركيزة للبيئة الحضرية، مع تنويع المساحات والأنواع النباتية حسب المناطق والضواحي.
إضافة إلى التعاون الدولي الفاعل حيث حصدت الكويت إشادات دولية من برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وشاركت بفعالية في مؤتمرات ومبادرات بيئية خليجية وعالمية.
ومن خلال هذه الانجازات والخطوات، تؤكد الكويت أنها تتبنى بوعي وبعمل حثيث مفاهيم الاستدامة البيئية، والاقتصاد الأخضر، والطاقة المتجددة، تحت راية رؤية (الكويت 2035) وهدفها المعلن: حياة أفضل على أرض نظيفة لمواطن يستحق كل خير.
ويجري تنفيذ مشروع الشقايا لإنتاج الطاقة المتجددة، من خلال هيئة الشراكة بين القطاع العام والخاص، بحيث يشتمل على مرحلتين أولاهما لإنتاج 1100 ميغاواط والثانية لإنتاج 500 ميغاواط.
وعقدت قمة الكويت الأولى للحوكمة البيئية والمجتمعية المستدامة في ديسمبر 2025 تحت شعار (تعزيز حلول الطاقة من أجل منطقة خليجية مستدامة)، وأكدت ضرورة صياغة رؤية جماعية تدفع المنطقة من الاعتماد على الهيدروكربونات إلى اقتصاد طاقي مستدام متنوع وتحديد أولويات إستراتيجية مشتركة واستكشاف سبل التعاون الإقليمي ووضع خارطة طريق واضحة بخطوات عملية تمكن الخليج من قيادة التحول نحو “عهد طاقة خضراء”.
وكلف مجلس الوزراء موخرًا وزير الدولة لشؤون التنمية والاستدامة الدكتورة ريم الفليج بالتنسيق مع الجهات الحكومية المعنية، بخطة عمل (منظومة تقارير الاستدامة البيئية الحكومية) ومتابعة جهودها ذات الصلة.
وبهذا الشأن تقول الدكتورة الفليج لوكالة الأنباء الكويتية (كونا)، إن دولة الكويت تمضي في ترسيخ نهج مؤسسي متكامل للاستدامة يقوم على تحويل الخطط والسياسات إلى برامج قابلة للقياس، وربط الأداء بالحوكمة، وإدارة المخاطر، والبيانات، بما يدعم صناعة القرار ويحافظ على الموارد الطبيعية للأجيال الحالية والمقبلة.
وتضيف الدكتورة الفليج أن عام 2026 شهد خطوات مهمة في هذا المسار، من أبرزها اعتماد مجلس الوزراء منظومة تقارير الاستدامة البيئية الحكومية، بصفته أول إطار حكومي موحد لقياس الأداء البيئي، وفق نموذج وطني يتضمن 14 مؤشرًا بما يعزز بناء قاعدة وطنية للبيانات، ويوفر أداة منهجية للمتابعة وقياس الأثر، وتحديد فرص التحسين في الجهات الحكومية والمحافظات.
وأوضحت أن إدارة المخاطر تمثل ركنًا أساسيًا في هذا التوجه، حيث تم إعداد السجل الوطني للمخاطر البيئية، وحصر ثمانية أخطار رئيسية، وتحديد مسارات التعامل والاستجابة لها، بالتنسيق مع الجهات الفنية المعنية.
وتذكر أن أهمية هذا العمل برزت خلال الأحداث والظروف الإقليمية الاستثنائية التي شهدتها المنطقة، إذ جرى التعامل خلال العام مع 36 حادثًا بيئيًا، شملت حالات مرتبطة بجودة الهواء، والتلوث البحري، والمواد الخطرة، وتصريف وتجمع مياه الصرف، بالتوازي مع رفع جاهزية الجهات وتحديث خطط الاستجابة للطوارئ والتلوث البحري.
وحول ملف تغير المناخ، تفيد الدكتورة الفليج بأن الكويت أنجزت مسودتي البلاغ الوطني الثالث، وأول تقرير للشفافية، بموجب اتفاقية باريس، إلى جانب تقييم جاهزية الجهات الحكومية، لتنفيذ خارطة التنمية منخفضة الكربون، وصولًا إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2060، وتأهيل نحو 100 مشارك في مجال المفاوضات المناخية، مع مواصلة العمل على ترجمة السياسات المناخية إلى مسارات تطبيقية بالتعاون مع الجهات الوطنية.
وتشير إلى استمرار العمل على حماية النظم البيئية، وإعادة تأهيلها، بما يشمل المحميات والموائل الطبيعية، والبيئة البحرية، إلى جانب تطوير برنامج وطني، لرصد وإزالة المخلفات البحرية بمشاركة أكثر من 20 جهة.
وتبين أن جهود الاستدامة تشمل كذلك التنمية الحضرية الخضراء، حيث وافق مجلس الوزراء خلال عام 2026 على 30 مبادرة لتخضير وتطوير المساحات العامة، بتمويل من الشركات والجمعيات التعاونية والأفراد، ليصل إجمالي المبادرات المعتمدة منذ ديسمبر 2024 إلى 64 مبادرة في نموذج يعزز الشراكة المجتمعية وإسهام القطاع الخاص في تحسين البيئة الحضرية وجودة الحياة.
وفي مجال إدارة الموارد الطبيعية تؤكد، أهمية تعزيز كفاءة استخدام المياه المعالجة، وتوسيع مجالات الاستفادة منها، إلى جانب تطوير إدارة النفايات، والتحول التدريجي نحو الاقتصاد الدائري، وتحسين منظومات الرصد، وجودة الهواء والإنذار المبكر، بما يرفع كفاءة استخدام الموارد ويعزز قدرة الدولة على الاستجابة للتحديات البيئية والمناخية.
وتشدد الدكتورة الفليج على أن رؤية دولة الكويت للاستدامة تقوم على نهج وطني متكامل، لإدارة الموارد الطبيعية، والنظم البيئية والزراعية والغذائية، بكفاءة ومسؤولية، بما يضمن الأمن الغذائي وسلامة الغذاء والتغذية السليمة، ويحمي البيئة والتنوع الأحيائي، ويعزز القدرة على التكيف مع تغير المناخ ويلبي احتياجات الجيل الحالي دون الإخلال بحقوق الأجيال المقبلة في إطار من الحوكمة والابتكار والشراكة والمسؤولية المجتمعية.
من جانبها تؤكد رئيسة فريق الاستدامة مديرة مكتب الأبحاث والدراسات والتخطيط الإستراتيجي في الهيئة العامة للبيئة الدكتورة حنان الصرعاوي لـ “كونا”، أن دولة الكويت تمضي بخطوات عملية نحو تعزيز الاستدامة البيئية، ورفع كفاءة الأداء الحكومي والحوكمة المؤسسية، انطلاقًا من أهمية إدارة الموارد بصورة مسؤولة، والاعتماد على بيانات ومؤشرات واضحة تساعد الجهات الحكومية على قياس أثرها البيئي وتحديد الفجوات وفرص التحسين.
وتوضح الدكتورة الصرعاوي أن العمل جار على تنفيذ مبادرة منظومة تقارير الاستدامة البيئية الحكومية، والتي تهدف إلى وضع إطار وطني موحد لإعداد تقارير دورية، تقيس الأداء البيئي في الجهات الحكومية وتوثق المبادرات والبرامج المرتبطة بالاستدامة، بما يعزز الشفافية ويدعم اتخاذ القرار المبني على البيانات، مثمنة دعم مجلس الوزراء الموقر لمبادرة منظومة إعداد التقارير البيئية.
وتضيف أن التقرير سيركز على مجموعة من المؤشرات الأساسية لقياس الأداء البيئي تشمل استهلاك الطاقة، والمياه والوقود والورق، وإجمالي كميات النفايات، ونسب إعادة تدويرها، والمساحات الخضراء في مرافق الجهة، إضافة إلى مؤشرات التدريب والتوعية، مثل عدد البرامج البيئية المقدمة للموظفين، وساعات التدريب، والحملات التوعوية، الموجهة للموظفين والجمهور واختيار سفراء للاستدامة.
وتقول إن أهمية المبادرة لا تقتصر على إعداد تقرير سنوي، بل تتمثل في تحويل الاستدامة، من مبادرات متفرقة، إلى ممارسة مؤسسية منتظمة وقابلة للقياس، بما يساعد على ترشيد استهلاك الموارد والحد من النفايات والانبعاثات ورفع مستوى الوعي البيئي داخل الجهات الحكومية.
وتفيد بأن المحافظات تتبنى مبادرة إعداد التقارير البيئية، والإفصاح البيئي (المحافظة المستدامة)، في خطوة تعكس اهتمامها بقياس أدائها البيئي، وتعزيز الاستدامة على المستوى المحلي، حيث تعمل على تشكيل فرق مختصة في المحافظات، لإعداد تقارير بيئية توثق جهودها ومبادراتها وتعكس مستوى الشفافية والاهتمام بالشأن البيئي والاستدامة وتحدد مجالات التطوير والتحسين.
وتؤكد أن الخطوات المستقبلية ستشمل تقييم نتائج المرحلة التجريبية، حيث يبدأ القطاع الحكومي في إعداد التقارير السنوية مطلع 2027، وتقديمها في ،2028 وإقامة العديد من ورش العمل والدورات لتأهيل الفرق، تمهيدًا لتطبيق المنظومة في الجهات الحكومية والمحافظات.
وتلفت إلى السعي لتفعيل وتعزيز الشراكات الإستراتيجية والتعاون مع الجهات ذات الصلة، لإصدار تقارير سنوية تدعم متابعة الأداء البيئي الحكومي، وتعزز جهود دولة الكويت بما ينسجم والتزاماتها في مجالات البيئة وتغير المناخ والتنمية المستدامة.
وتمضي الهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية الكويتية قدمًا في خططها الرامية إلى تنمية الغطاء الأخضر في البلاد، وغرس أنواع جديدة من النباتات بموجب مسؤولياتها عن رعاية وتوسعة وتطوير التخضير والزراعة التجميلية.
وتمتد حملات التشجير التي تطلقها الهيئة إلى الحدود الشمالية والجنوبية، لزراعة الأشجار الملائمة للبيئة الكويتية، إضافة إلى زيادة الرقعة الخضراء في الساحات العامة والطرقات بالتنسيق مع وزارات الدولة.
واعتمدت الهيئة خططًا، لإقامة الحواجز النباتية والصناعية، وإعادة توزيع مناطق التحريج، والمناطق الزراعية، للسيطرة على تحركات الكثبان الرملية، والتصحر، وخفض نسب التلوث، عبر زراعة نباتات تتحمل شح المياه وتمتاز باخضرارها طوال السنة، مثل شجرة القاف والسدر وكف مريم والصفصاف والأثل.
أما الحدائق العامة في الكويت، فتشكل إحدى ركائز البيئة الخضراء، إذ توزع حسب مساحتها بين حدائق صغيرة لا تتعدى أربعة آلاف متر مربع، وأخرى أكبر مساحة في الضواحي، إضافة إلى المتنزهات، التي قد تصل في الحجم إلى ما يقارب مساحة منطقة سكنية كاملة.
وتؤكد دولة الكويت بشكل دائم التزامها الثابت بالقرارات والمبادرات الدولية، والإقليمية، والخليجية، المرتبطة بالبيئة، إضافة إلى إيلاء التعاون مع الأمم المتحدة ومنظماتها المعنية أهمية بالغة في تنفيذ مبادراتها البيئية المتنوعة.
وحصدت دولة الكويت في أكثر من مناسبة شهادات دولية، من قبل برنامج الأمم المتحدة للبيئة، بشأن ما تحققه من نتائج ملموسة في الملف البيئي، إضافة إلى التعاون الفعال والإستراتيجي مع المنظمات المعنية في هذا المجال.
كما أعلنت دولة الكويت خلال مشاركتها في مؤتمر قمة مبادرة الشرق الأوسط الأخضر بنسختها الثانية، التي عقدت بمدينة شرم الشيخ نوفمبر 2022، التزامها الكامل بنتائج تلك المبادرة باعتبارها نقطة تحول مهمة لمنطقة الشرق الأوسط في العمل المناخي، وأساسًا للتعاون الإقليمي في مكافحة آثار تغير المناخ.

إيمان السهلي

كاتب في صحيفة عين الإخبارية، يقدم محتوى إخبارياً ومقالات تواكب أبرز القضايا والموضوعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *