تجاوز إلى المحتوى

اعتماد دولي لأربع مدن صحية في عسير.. أربعة نماذج وغاية واحدة: صحة الإنسان

لمياء الدوسري 4 دقائق قراءة

يمثل اعتماد منظمة الصحة العالمية أربع مدن صحية في منطقة عسير؛ هي أبها، ومحايل عسير، وطريب، ومدينة الملك خالد الجامعية، محطة جديدة في مسار التحول الصحي وجودة الحياة في المنطقة، بعد رحلة امتدت خمسة أعوام بين 2020 و2025، استوفت خلالها المدن الأربع 80 معيارًا دوليًا موزعة على تسعة محاور.
وكان صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز، أمير منطقة عسير رئيس هيئة تطوير المنطقة، قد تسلّم شهادات الاعتماد من معالي وزير الصحة الأستاذ فهد بن عبدالرحمن الجلاجل، ليرتفع عدد المدن الصحية المعتمدة في المملكة إلى 21 مدينة.
ويقوم نموذج «المدن الصحية» على مفهوم يتجاوز حدود الخدمات العلاجية، ليربط صحة الإنسان بالبيئة وجودة الحياة والمشاركة المجتمعية والتعليم والسلامة والشراكات والتنمية الاقتصادية.
وشملت معايير الاعتماد التي تسلّم شهاداتها صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز أمير منطقة عسير من معالي وزير الصحة الأستاذ فهد بن عبدالرحمن الجلاجل، تسعة محاور، من أبرزها تمكين المجتمع، والشراكة بين القطاعات، والخدمات الصحية، والبيئة الحضرية، والاستعداد للطوارئ، والتعليم وتنمية القدرات، ودعم المشاريع الصغيرة، ليرتفع عدد المدن الصحية المعتمدة في المملكة إلى 21 مدينة.
وتظهر قراءة مؤشرات الأثر خلال السنوات الخمس أن غالبية المؤشرات القابلة للمقارنة في المدن الأربع بلغت المستوى الوطني أو تجاوزته، فيما ارتفع متوسط العمر المتوقع عند الولادة من 77.3 إلى 80.1 عامًا، بالتزامن مع تحسن مؤشرات الأمراض غير السارية وجودة الحياة والخدمات الأساسية.
ورغم وحدة معايير الاعتماد، صنعت كل مدينة تجربتها الخاصة؛ فأبها برزت في الهوية والسياحة والرياضة، ومحايل عسير في جودة الحياة والتحسن البيئي، وطريب في سرعة ردم الفجوات، فيما قدمت مدينة الملك خالد الجامعية نموذجًا متكاملًا لبيئة داعمة للصحة.
أبها.. الهوية وجودة الحياة في قلب التحول
في أبها، اقترنت المدينة الصحية بتعزيز المشاركة المجتمعية والحفاظ على الهوية المحلية؛ إذ ارتفعت نسبة المهتمين بالتراث المحلي والحفاظ عليه من 34% إلى 66%، فيما وصلت الشراكات المستوفية لمعايير البرنامج إلى 90%.
وامتد التحسن إلى الصحة والسلامة؛ فارتفعت نسبة البالغين الذين يمارسون مستوى كافيًا من النشاط البدني إلى 62%، وانخفض متوسط زمن الاستجابة الإسعافية من 27 إلى 7 دقائق.
وعلى المستوى الاقتصادي والسياحي، قفز مؤشر النمو السياحي من 31% إلى 79% متجاوزًا المستوى الوطني، بالتوازي مع تحسن مؤشرات التوظيف واتساع حضور المدينة الرياضي والثقافي.
محايل عسير.. جودة حياة وتحول بيئي
قدمت محايل عسير نموذجًا يقوم على توسيع دور المجتمع وتحسين البيئة الحضرية؛ إذ بلغ الرضا عن جودة الحياة 88%، وهو الأعلى بين المدن الأربع، فيما ارتفعت المبادرات الصحية والمجتمعية من 6 إلى 18 مبادرة لكل 100 ألف نسمة.
كما سجلت المدينة تحسنًا ملحوظًا في الاستجابة للخدمات الصحية، حيث انخفض زمن الاستجابة الإسعافية إلى 7 دقائق.
وبيئيًا، كان التحول أكثر وضوحًا وبناءً على نقل المدينة الصناعية بمحايل خارج النطاق السكاني؛ إذ تراجع مؤشر جودة الهواء من 72 إلى 42، وارتفعت نسبة الطرق المهيأة للمشاة إلى 21%، في مؤشرات تعكس ارتباط الصحة بالتخطيط الحضري ونمط الحياة اليومي.
طريب.. ردم الفجوات وتحسين الوصول للخدمات
برزت محافظة طريب بوصفها النموذج الأكثر وضوحًا في تسريع التحسن من خطوط أساس منخفضة، إذ حققت أعلى معدلات التطور بين المدن الأربع في عدد من المؤشرات.
وقفزت الشراكات المستوفية لمعايير البرنامج من 7% إلى 93%، فيما ارتفعت تغطية المياه المأمونة من 15% إلى 56%، بما يعكس أثر العمل المشترك في تحسين الخدمات الأساسية.
وفي مؤشرات جودة الحياة، ارتفع الشعور بالأمان ليلًا من 69% إلى 94%، كما تحسن الرضا عن جودة الحياة، وانخفض زمن الاستجابة الإسعافية من 29 إلى 7 دقائق.
وتبرز تجربة طريب أهمية الإنصاف في نموذج المدن الصحية؛ إذ لا يقاس النجاح بالمستوى النهائي للمؤشر فحسب، وإنما بحجم الفجوة التي تمكنت المدينة من تقليصها وتحسين وصول السكان إلى مقومات الصحة وجودة الحياة.
مدينة الملك خالد الجامعية.. بيئة صحية متكاملة
قدمت مدينة الملك خالد الجامعية النموذج الأكثر تكاملًا بين المدن الأربع، بعدما حققت مستويات متقدمة في غالبية مؤشرات الاعتماد، مع وصول تغطية مياه الشرب المأمونة والصرف الصحي والرعاية الصحية الأولية وتحصين الأطفال إلى 100%.
وسجلت المدينة نشاطًا بدنيًا كافيًا لدى 68% من البالغين، بينما انخفض متوسط زمن الاستجابة الإسعافية إلى 4 دقائق، وتراجعت حوادث وإصابات المرور من 65 إلى 12 حالة لكل 100 ألف نسمة.
وفي البيئة العمرانية، بلغت نسبة الطرق المجهزة للمشاة 67%، ووصل نصيب الفرد من المساحات الخضراء إلى 11 مترًا مربعًا، متجاوزًا المستوى الوطني، في نموذج يربط التصميم الحضري بالحركة والصحة والوقاية.
وتكشف تجربة المدن الأربع أن مفهوم “المدينة الصحية” لا يبدأ عند باب المستشفى ولا ينتهي بالخدمة العلاجية؛ بل يمتد إلى جودة الهواء والمياه، والطريق الآمن، ومسار المشاة، والنشاط البدني، والغذاء، والتعليم، وسرعة الاستجابة، والشراكة المجتمعية.
ومن أبها إلى محايل عسير وطريب ومدينة الملك خالد الجامعية، اختلفت الأولويات ومعدلات التحسن، لكن المسار ظل واحدًا: بناء بيئة تجعل الخيار الصحي أسهل، والخدمة أكثر وصولًا، والمجتمع أكثر مشاركة، وجودة الحياة أكثر حضورًا في تفاصيل المدينة.
ويأتي الاعتماد الدولي تتويجًا لهذا التحول، ليقدم في عسير أربعة نماذج مختلفة في خصائصها، متفقة في غايتها؛ أن تكون صحة الإنسان وجودة حياته محورًا للتنمية وصناعة المكان.

لمياء الدوسري

كاتب في صحيفة عين الإخبارية، يقدم محتوى إخبارياً ومقالات تواكب أبرز القضايا والموضوعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *