تجاوز إلى المحتوى

وادي ضهاية بالعيدابي.. وجهة ريفية تختزل تنوع الطبيعة في جبال منطقة جازان

عبدالله الزهراني 3 دقائق قراءة

تتعدد في منطقة جازان ملامح الطبيعة وتتقارب مسافاتها؛ فمن سواحل البحر الأحمر وجزره إلى السهول الزراعية والمرتفعات الجبلية، تتشكل بيئات سياحية متنوعة، رسمت الأودية والمدرجات الزراعية والقرى الجبلية تفاصيلها، وأسهم الإنسان، عبر علاقته بالأرض والمطر والزراعة، في صناعة مشهد ريفي يحتفظ بخصوصيته وموروثه.
وفي محافظة العيدابي التي تبعد نحو (80) كيلومترًا عن مدينة جيزان، يقدم وادي ضهاية في جبال بلغازي نموذجًا لهذه العلاقة بين الإنسان والطبيعة؛ إذ يمتد وسط تضاريس جبلية تتوزع على سفوحها المدرجات الزراعية والقرى والغطاء النباتي، فيما تمنحه المياه المنحدرة من المرتفعات مشاهد متجددة، جعلت منه أحد المواقع التي تختزل ملامح السياحة الريفية في البيئة الجبلية بالمنطقة.
وتبدأ تجربة المكان قبل الوصول إلى مجرى وادي ضهاية؛ فالطرق الصاعدة بين الجبال تكشف تباعًا عن قرى تستقر بين السفوح، ومزارع ومدرجات تتدرج مع تضاريس الأرض، فيما تتسع المشاهد مع الارتفاع، قبل أن تقود الشعاب والمنحدرات إلى وادي ضهاية، حيث تظهر آثار المياه ومساراتها بين الصخور، في صورة تكشف الدور الذي أدته الطبيعة في تشكيل الوادي عبر الزمن.
ومع هطول الأمطار على جبال بلغازي، تتبدل تفاصيل المشهد؛ إذ تنحدر المياه عبر الشعاب نحو مجرى وادي ضهاية، وتزداد السفوح اخضرارًا، فيما يلامس الضباب بعض القمم والمرتفعات، فتجتمع المياه والسحب والخضرة والمدرجات في مشهد طبيعي يستقطب الزوار ومحبي الطبيعة وهوّاة التصوير.
وعلى السفوح المحيطة بوادي ضهاية تمتد المدرجات الزراعية بوصفها أثرًا حيًا لعلاقة الإنسان بالأرض، بعدما تعامل الأهالي مع الطبيعة الجبلية وانحداراتها بتحويل أجزاء من السفوح إلى مساحات قابلة للزراعة، لتغدو هذه المدرجات، مع مرور الأجيال، مكوّنًا من مكونات المشهد الريفي وهوية المكان.
وتكشف المدرجات عن خبرة تراكمت لدى سكان البيئة الجبلية في التعامل مع الأرض والمواسم المطيرة، وعن نمط حياة ارتبط بالزراعة والإنتاج المحلي؛ إذ ظلت المزارع والقرى المنتشرة على السفوح جزءًا من الحياة اليومية، وعنصرًا بصريًا يرافق الزائر في رحلته بين الجبال وصولًا إلى وادي ضهاية.
ويُعد وادي ضهاية موطنًا رئيسًا لنمو أشجار الضهيان البرية، التي تمثل أحد المراعي الطبيعية للنحل؛ إذ يتغذى النحل على أزهارها لينتج “عسل الضهيان”، أحد أصناف العسل النادرة التي تشتهر بها منطقة جازان، ويحظى بطلب واسع لما يتميز به من جودة عالية، في ارتباط يعكس أثر التنوع النباتي في دعم تربية النحل وإنتاج العسل بالبيئة الجبلية.
ويعكس الغطاء النباتي المحيط بوادي ضهاية تنوع البيئة الجبلية؛ إذ تنتشر الأشجار البرية والرحيقية المعمّرة، من بينها السدر والطلح والتالوق والبرّاء والبراية والدوم، إلى جانب الأشجار المتسلقة والنباتات العطرية، مشكّلةً غطاءً نباتيًا يدعم المراعي الطبيعية للنحل، ويثري المشهد البيئي لوادي ضهاية، ويمنحه أحد عناصر جاذبيته السياحية.
وتتجاوز تجربة السياحة الريفية في وادي ضهاية حدود مشاهدة الطبيعة؛ فالزائر يقترب من بيئة منتجة تتجاور فيها المزرعة والمنحل والقرية والمدرج والوادي، وتتحول المنتجات الزراعية والعسل إلى امتداد لتجربة المكان، بما يمنح المجتمع المحلي فرصة للاستفادة من الحركة السياحية، ويسهم في التعريف بمنتجاته وموروثه وأساليب حياته.
ولهواة التصوير، يقدم وادي ضهاية مشاهد تتغير بتغير الضوء والطقس والمطر، من المياه وهي تشق مساراتها بين الصخور إلى المدرجات الممتدة على السفوح، ومن اخضرار الجبال إلى السحب والضباب حين يلامسان المرتفعات، لتصبح العدسة وسيلة لتوثيق تفاصيل المكان والتعريف بتنوعه.
وتمنح هذه المقومات وادي ضهاية فرصة ليكون جزءًا من تجربة متكاملة للسياحة الريفية في محافظة العيدابي، تقوم على اكتشاف علاقة المجتمع الجبلي بأرضه، والتعرف على القرى والمزارع والمدرجات والمنتجات المحلية، بما يعزز حضور السياحة بوصفها نشاطًا يسهم في دعم الاقتصاد المحلي والمحافظة على خصوصية المكان.
ومع تنامي الاهتمام بالمواقع الطبيعية، تبرز أهمية المحافظة على بيئة وادي ضهاية وغطائه النباتي، وتعزيز الممارسات المسؤولة التي تحمي نظافة المكان ومكوناته الطبيعية، إلى جانب الالتزام بتعليمات السلامة والابتعاد عن بطون الأودية ومجاري السيول أثناء جريانها؛ لضمان تجربة سياحية آمنة تحافظ على موارد الموقع.
ويمنح وادي ضهاية محافظة العيدابي قيمة سياحية تستند إلى أصالة الموقع وخصوصيته، وتفتح مجالًا أمام تجربة ريفية تجمع الاستكشاف والاستمتاع والتعريف بالموروث المحلي، بما يسهم في إبراز المقومات السياحية للقطاع الجبلي، وتوسيع خيارات الزائر، وتعزيز مكانة منطقة جازان على خارطة الوجهات السياحية في المملكة.

عبدالله الزهراني

كاتب في صحيفة عين الإخبارية، يقدم محتوى إخبارياً ومقالات تواكب أبرز القضايا والموضوعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *