تجاوز إلى المحتوى

بعمر يناهز 1.8 مليون عام.. “شعب دحضة” بنجران يروي فصول الاستيطان البشري الأول في الجزيرة العربية

بدر الحازمي 4 دقائق قراءة

تُعدّ منطقة نجران، الواقعة في جنوب غرب المملكة، واحدة من أغنى المناطق الأثرية والتاريخية في شبه الجزيرة العربية؛ إذ تمثل متحفًا مفتوحًا يزخر بالشواهد الحضارية التي تمتد من عصور ما قبل التاريخ وصولًا إلى العصور الإسلامية، وذلك بفضل موقعها الجغرافي الإستراتيجي الذي يربط بين مرتفعات جبال السروات غربًا وصحراء الربع الخالي شرقًا، إذ شكّلت عبر العصور واحة جاذبة للاستقرار البشري وممرًا حيويًا للقوافل التجارية القديمة، مما جعلها في مقدمة المواقع العالمية التي تسهم في فهم بدايات الاستيطان البشري وحركة الهجرات الإنسانية الأولى.
وفي هذا السياق، تسلط هيئة التراث الضوء على موقع “شعب دحضة” في منطقة نجران، بوصفه أحد الشواهد الأثرية المهمة على الوجود البشري المبكر في جنوب الجزيرة العربية؛ لما يضمه من أدوات حجرية تعود إلى العصر الحجري القديم الأسفل، وتقدم معطيات علمية تسهم في فهم حركة الجماعات البشرية القديمة وعلاقتها بالتحولات البيئية والمناخية التي شهدتها المنطقة.
ويأتي الاهتمام بالموقع امتدادًا لأعمال المسح والتوثيق الأثري في منطقة نجران، إذ جرى الكشف عنه خلال المسح الأثري الشامل الذي نُفِّذ عام 1400هـ الموافق 1980م، حيث عُثر عليه فوق إحدى المصاطب الحصوية المرتفعة المطلة على الوادي، وأسهم الانجراف الطبيعي للتربة في إظهار طبقات استيطانية قديمة، جُمعت منها عينة منهجية ضمت 34 أداة حجرية تعود إلى العصر الحجري القديم الأسفل.
وتستند أهمية شعب دحضة إلى ما وفرته أعمال المسح والتوثيق والدراسة من معلومات عن طبيعة النشاط البشري في الموقع؛ إذ تكشف الدراسات أن العمر الزمني للأدوات المكتشفة يُقدّر بنحو 1.2 و 1.8 مليون سنة، كما ترتبط خصائصها التقنية بالصناعات الحجرية “الأولدوانية” التي تعد من أقدم تقاليد صناعة الأدوات الحجرية المعروفة في تاريخ البشرية.
وأظهرت دراسة الأدوات اعتماد الإنسان القديم في المنطقة على صخور “الكوارتزيت” المتوافرة في سرير الوادي، وذلك بسبب صلابتها وقابليتها للتشكيل؛ فأنتج الإنسان آنذاك مختلف الأدوات ذات الحواف الحادة لمتطلبات عيشه المتنوعة، كما رصد الباحثون عددًا من الأدوات التي تعلوها طبقات من “العتق” الذي تشكّل على أسطح الصخور خلال مدد زمنية طويلة، مما يساعد على دراسة السياق الأثري للمكتشفات.
وشملت المكتشفات القواطع المصنوعة من الحصى النهرية، والأدوات متعددة السطوح، إلى جانب الشظايا والمكاشط الناتجة عن طرق النوى الحجرية، وهي أدوات ارتبط استخدامها بأنشطة حياتية متعددة، من بينها تهشيم العظام، وسلخ الجلود، وتقطيع اللحوم.
وفي هذا الصدد، أوضح المدير العام لقطاع الآثار بهيئة التراث الدكتور عجب العتيبي، أن الهيئة تولي مسؤولية كبرى تجاه المواقع الأثرية لمواصلة أعمال الحصر، والتوثيق، والدراسة، والحماية، والاستفادة من نتائج المسوحات والدراسات السابقة في بناء معرفة متكاملة بالمواقع وتسلسلها الزمني وقيمتها العلمية، مشيرًا إلى أن “شعب دحضة” يأتي ضمن هذا السياق بوصفه موقعًا ترتبط أهميته بفترة مبكرة جدًا من التاريخ البشري في الجزيرة العربية، بما يعزز أهمية المحافظة على شواهده الأثرية وإتاحة المجال أمام الدراسات العلمية المتخصصة لتطوير المعرفة بتاريخ الاستيطان البشري في المملكة.
وتزداد أهمية الموقع بالنظر إلى خصائص البيئة الطبيعية المحيطة به؛ إذ يرتبط شعب دحضة بمنظومة وادي نجران عند المنحدرات الشرقية للسروات، وهي منطقة وفرت قديمًا المياه، والصخور المناسبة لصناعة الأدوات، والغطاء النباتي والحيواني، مما أوجد بيئة ملائمة للمجموعات البشرية المبكرة.
وتشير الدراسات المناخية القديمة إلى أن الجزيرة العربية شهدت خلال عصر “البلايستوسين” فترات مطيرة تحولت خلالها أجزاء من أوديتها إلى بيئات أكثر رطوبة، انتشرت فيها الأنهار، والبحيرات، والغطاء النباتي والحيواني، وهو ما أسهم في تهيئة ظروف مناسبة لحركة الجماعات البشرية واستقرارها.
ويمنح الموقع الجغرافي لشعب دحضة بعدًا علميًا إضافيًا ضمن الدراسات المتعلقة بانتشار الجماعات البشرية القديمة خارج أفريقيا؛ إذ تناقش بعض الدراسات فرضيات عبورها عبر جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب خلال فترات انخفاض مستوى سطح البحر، ثم انتقالها عبر سواحل تهامة وممرات جبال السروات إلى الأودية الداخلية، ومن بينها منطقة نجران؛ وبذلك، يمثل شعب دحضة سجلًا أثريًا مهمًا لدراسة الوجود البشري المبكر في جنوب الجزيرة العربية، وتكمن قيمته العلمية فيما تقدمه أدواته الحجرية من شواهد على قدرة الجماعات البشرية المبكرة على الانتشار والتكيف مع البيئات المختلفة، في الوقت الذي تواصل فيه هيئة التراث جهودها في صون المواقع الأثرية ودراستها وتوثيقها؛ تعزيزًا للمعرفة بالعمق التاريخي والحضاري للمملكة وحماية شواهده للأجيال القادمة.
وفي سياق متصل، أكد رئيس جمعية الآثار والتاريخ بنجران “جاتن”، محمد آل هتيلة، أن الاكتشافات الأثرية الأخيرة في موقع “شعب دحضة” غرب منطقة نجران تقدم دلائل تاريخية استثنائية تؤكد عراقة الاستيطان البشري في شبه الجزيرة العربية وقدمه؛ حيث كشفت أعمال التنقيب والمسح عن مجموعة متكاملة من الأدوات والصناعات الحجرية التي تنتمي إلى مرحلة “الأولدوانية المبكرة” ضمن العصر الحجري القديم الأسفل، التي يمتد تاريخها ما بين 1.2 و 1.8 مليون سنة مضت.
وأشار آل هتيلة إلى أن هذه المكتشفات تجسد نمط الحياة البدائي والقدرة الابتكارية للإنسان الأول في المنطقة؛ حيث استغل خامة “حجر الكوارتز” المتوفرة محليًا لتطوير أدواته اليومية وتطويعها لمتطلبات عيشه.
وتنوعت هذه القطع الأثرية لتشمل القواطع الحجرية التي استخدمت كأدوات بدائية ضخمة لعمليات القطع والتهشيم الثقيلة، والمكاشط والشفرات المصممة بدقة لتلائم عمليات الكشط والتقطيع الدقيق، إضافة إلى المطارق والأدوات ذات الوجهين المصنوعة بعناية لتلبية الاستخدامات الشاقة، والأدوات شبه الكروية التي مثلت تشكيلات حجرية متعددة الأغراض والاستخدامات اليومية، مؤكدًا أن هذه النتائج العلمية تسهم بشكل جوهري في ترسيخ المكانة التاريخية لمنطقة نجران كواحدة من أقدم الحواضر التي شهدت نشاطًا بشريًا وحضاريًا على مستوى العالم، مما يفتح آفاقًا بحثية جديدة أمام العلماء والمهتمين لاستكشاف وفهم حركة الاستيطان البشري في عصور ما قبل التاريخ.

بدر الحازمي

كاتب في صحيفة عين الإخبارية، يقدم محتوى إخبارياً ومقالات تواكب أبرز القضايا والموضوعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *