تجاوز إلى المحتوى

جبال جازان.. من ذاكرة التعمير إلى آفاق الاستثمار والتنمية

هيا العنزي 3 دقائق قراءة

من قمم محافظة فيفا التي شهدت انطلاقة أولى خطوات التنمية الجبلية، إلى آفاق أوسع تتجه فيها جبال جازان نحو اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة، تمتد حكاية تنموية قاربت نصف قرن، بدأت بجهاز متخصص لمواكبة خصوصية المكان، وتصل اليوم إلى مرحلة جديدة تعاد فيها صياغة الأدوار بما يتوافق مع التحول التنموي الذي تشهده المنطقة.
وبصدور قرار مجلس الوزراء بإلغاء هيئة تطوير وتعمير المناطق الجبلية بمنطقة جازان، ونقل مهماتها إلى المكتب الإستراتيجي لتطوير منطقة جازان ووزارة البيئة والمياه والزراعة، يُفتح مسار جديد تتكامل فيه الخبرات الزراعية والبيئية مع التخطيط التنموي والاستثمار في المقومات الاقتصادية والسياحية.
وتعود بداية هذه الرحلة إلى عام 1396هـ، بإنشاء هيئة تطوير وتعمير منطقة فيفا، في وقت كانت فيه طبيعة الجبال وتضاريسها واحتياجات سكانها تتطلب جهازًا متخصصًا يضع التنمية في سياق يتلاءم مع خصوصية المكان.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود، اتسعت دائرة المسؤولية؛ إذ صدر عام 1429هـ الأمر السامي بتغيير مسمى الهيئة إلى هيئة تطوير وتعمير المناطق الجبلية بمنطقة جازان، لتتجاوز التجربة نطاقها الأول وتمتد مظلتها إلى عدد من محافظات القطاع الجبلي، من فيفا والداير إلى الريث وهروب والعارضة والعيدابي.
وخلال هذه المسيرة لم يكن الجبل مجرد مساحة جغرافية صعبة التضاريس، بل تحول في برامج الهيئة إلى مجال للبحث والتجربة واكتشاف الإمكانات، خصوصًا في القطاع الزراعي؛ إذ أسهمت التجارب الزراعية في دراسة المحاصيل والسلالات الملائمة للبيئة الجبلية، وتطوير الممارسات الزراعية، ودعم المزارعين بالمعرفة والشتلات.
وفي قلب هذه التجربة برز البن السعودي بوصفه أحد أبرز الموارد الزراعية التي ارتبطت بجهود الهيئة؛ إذ شملت أعمالها ومبادراتها في هذا المجال اقتراح انضمام المملكة إلى المنظمة الدولية للقهوة، واكتشاف سلالات واعدة من البن السعودي وتسجيلها لدى الهيئة السعودية للملكية الفكرية.
وأسهمت الهيئة في توفير شتلات البن والصندل للمزارعين، وتوزيع أكثر من مليون شتلة بن، إلى جانب الاستفادة من تقنيات زراعة الأنسجة النباتية لإكثار المحاصيل وإنتاج نباتات خالية من الأمراض والفيروسات.
وتبرز أهمية هذه التجربة في أنها تجاوزت مفهوم الإنتاج الزراعي إلى تأسيس معرفة مرتبطة بالمكان وموارده، وتحويل محصول محلي إلى أحد المكونات التي يمكن أن تقوم حولها سلاسل قيمة اقتصادية، من الزراعة والإنتاج إلى التصنيع والتسويق والسياحة الزراعية.
ولم تتوقف الجهود عند البن، إذ شملت استثمار الأشجار العطرية والصندل، ودراسة الفرص السياحية، والمشاركة في إبراز المقومات الطبيعية والثقافية للمناطق الجبلية، بما أسهم في تكوين صورة أكثر شمولًا لإمكانات القطاع الجبلي.
وتتسع دلالة هذه المقومات في المرحلة الراهنة؛ فالمدرجات الزراعية، والمرتفعات، والضباب، والغطاء النباتي، والموروث الثقافي، لم تعد عناصر منفصلة، وإنما موارد يمكن أن تتكامل لتشكيل منظومة اقتصادية وسياحية وبيئية، منسجمة مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تنويع الاقتصاد، وتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية، وتمكين المناطق من استثمار مزاياها التنافسية، بما يجعل التنمية أكثر ارتباطًا بخصوصية كل منطقة ومقوماتها.
ومع انتقال مهمات الهيئة إلى المكتب الإستراتيجي لتطوير منطقة جازان ووزارة البيئة والمياه والزراعة، تبرز أهمية الحفاظ على الرصيد المعرفي الذي تشكل على مدى العقود الماضية، والانتقال من تعمير الجبل إلى اقتصاد الجبل؛ ليشمل ذلك تطوير سلاسل القيمة للبن، ودعم الزراعة النوعية، وتنمية السياحة الجبلية والبيئية، وتمكين الصناعات الريفية والحرف التقليدية، وتعزيز دور المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وحماية الموارد الطبيعية، ورفع جودة الحياة.
واليوم تنطلق جبال جازان من مرحلة اكتشاف الإمكانات إلى مرحلة تعظيم قيمتها، ومن التعامل مع الجبل بوصفه مجالًا يحتاج إلى التنمية إلى شريك في صناعة اقتصاد المنطقة.

هيا العنزي

كاتب في صحيفة عين الإخبارية، يقدم محتوى إخبارياً ومقالات تواكب أبرز القضايا والموضوعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *