على امتداد المرتفعات الجبلية والأودية المتداخلة بمحافظة العرضيات، تقف الحصون والقلاع والقرى الحجرية القديمة شواهدَ راسخة على تاريخٍ محلي ثري، وموروثٍ معماري يعكس قدرة الإنسان على توظيف تضاريس المكان وموارده الطبيعية لبناء منظومة متكاملة للحماية والسكن ومراقبة الطرق والمزارع.
وتنتشر هذه المعالم بين العرضية الشمالية والعرضية الجنوبية، متخذةً من رؤوس الجبال وحواف الأودية والمواقع المطلة على القرى مواضع إستراتيجية، فيما تكشف بقايا جدرانها وأبراجها عن خبرة بنائية متوارثة اعتمدت على الأحجار المحلية والطين والأخشاب، ضمن طراز معماري يتلاءم مع طبيعة المنطقة الجبلية وتقلباتها المناخية.
وتبرز قلعة البرحان في ثريبان بوصفها أحد المعالم التاريخية المعروفة في المحافظة، إلى جانب قرى ومواقع أثرية عدة، منها قرية العِرْق الأثرية في الجوف، وقرية آل كامل في نخال، وقريتا الحفنة والجريش في بني رزق، التي تحتفظ ببقايا مبانٍ حجرية وممرات ضيقة وتكوينات عمرانية تستحضر جانبًا من أنماط الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها المنطقة قديمًا.
واعتّمد البنّاء المحلي في تشييد الحصون على اختيار الأحجار المتفاوتة الأحجام وتثبيتها بعناية، مع زيادة سماكة الجدران لتوفير المتانة والحماية، وفتح نوافذ صغيرة تساعد على المراقبة والتهوية، فيما خُصصت بعض المساحات الداخلية لتخزين الحبوب والمؤن والمياه، بما يعكس دور الحصن بوصفه منشأة دفاعية واقتصادية واجتماعية في آنٍ واحد.
ولم تكن هذه الحصون مباني منعزلة عن محيطها، بل شكّلت جزءًا من النسيج العمراني للقرى؛ إذ ارتبطت بالمساكن القديمة والمدرجات الزراعية والآبار ومسارات التنقل، وأسهم موقعها المرتفع في مراقبة الممرات والطرق المؤدية إلى التجمعات السكانية، وحماية الممتلكات والمحاصيل، إلى جانب استخدامها مواقعَ للاجتماع والإشعار عند حدوث الأخطار.
ويمنح التنوع الطبيعي المحيط بهذه المعالم قيمة سياحية إضافية؛ فالحصون الحجرية تتجاور مع الجبال والأودية والمدرجات الزراعية والغطاء النباتي، لتشكل مشهدًا بصريًا قادرًا على دعم منتجات السياحة الثقافية والريفية، واستحداث مسارات للزيارة والتصوير والتعريف بتاريخ العمارة المحلية.
وتبقى حصون العرضيات، بما تختزنه من تفاصيل بنائية وحكايات إنسانية، سجلًا مفتوحًا لذاكرة المكان؛ تقاوم جدرانه عوامل الزمن، وتروي للأجيال قصة مجتمع صنع من الحجر حصانةً، ومن قمم الجبال أبراجًا للحراسة، ومن عمارة الأجداد إرثًا ثقافيًا جديرًا بالحماية والتعريف والاستدامة.
// انتهى//
11:06 ت مـ
0031
