شكّلت مهنة الغوص واستخراج اللؤلؤ في جزر فرسان بمنطقة جازان إحدى الدعائم الاجتماعية والاقتصادية البارزة التي اعتمد عليها أهالي المحافظة قديمًا، إذ مثّلت مصدرًا رئيسًا للرزق، وأسهمت في تشكيل ملامح الحياة البحرية، حينما كانت تلك المهنة العتيقة تحظى بشهرةٍ واسعة، وتشكّل موردًا أساسيًا لازدهار حياتهم؛ لتكون المهنة الرئيسة لأهالي الجزيرة خلال فتراتٍ زمنيةٍ ماضية.
وأسهمت رحلات الغوص في ترسيخ منظومةٍ متكاملةٍ من القيم القائمة على الصبر والتكاتف، إلى جانب ما ارتبط بها من عاداتٍ وتقاليد متوارثة، شملت تجهيز السفن، وتوزيع الأدوار بين أفراد الطاقم، فضلًا عن الأهازيج البحرية التي كانت تصاحب رحلات الغوص، وتُجسّد جانبًا أصيلًا من الموروث الثقافي للمحافظة.
ويستعيد الغواص عثمان بن موسى أحمد إبراهيم، البالغ من العمر (75) عامًا، خلال مشاركته في فعاليات “ليالي الحريد”، جانبًا من ذاكرةٍ بحريةٍ عميقةٍ امتدت لأكثر من أربعين عامًا قضاها في أعماق البحر، بوصفه أحد الغواصين الذين أفنوا أعمارهم في مهنة الغوص بحثًا عن اللؤلؤ.
وأوضح أن هذه المهنة كانت تبدأ بمراحل إعداد دقيقة تسبق رحلات صيد اللؤلؤ، حيث يحرص مالك السفينة على تفقدها وتهيئتها للإبحار، إلى جانب تأمين احتياجات أسر البحارة من المؤن والمواد الغذائية التي تكفيهم طوال فترة غيابهم، فضلًا عن تجهيز طعام الرحلة، الذي كان غالبًا ما يقتصر على كمياتٍ من الذرة الحمراء أو البُرّ، مع توفير كمياتٍ كافيةٍ من المياه الصالحة للشرب، تُحفظ في آنيةٍ فخارية.
وبيّن أن بدايات شهر مايو كانت تمثّل موعد انطلاق تلك الرحلات، التي تمتد ما بين ثلاثة إلى أربعة أشهر خلال فصل الصيف، حيث ترتفع فرص العثور على اللؤلؤ، مشيرًا إلى أن الصيادين كانوا يتجهون إلى مواقع تُعرف بـ”المغاص”، وهي الأماكن التي تكثر فيها تجمعات المحار، أو ما يُسمّى محليًا “البَلْبِيل”، حيث يوجد اللؤلؤ؛ لتبدأ بعدها عمليات الغوص التي كانت تُقسّم على خمسة أيام، يذهب محصول الأيام الأربعة الأولى منها للغواص، فيما يُخصّص محصول اليوم الخامس لمالك السفينة.
وأشار عثمان إلى أن رحلات الغوص، رغم ما تكتنفه من مشقةٍ وتحديات، كانت تقوم على منظومة عملٍ جماعي متكاملة؛ حيث كانت السفينة الواحدة تحمل ما بين (30) إلى (40) شخصًا، يتوزعون بين نوخذة، وغواص، وبحّار، وربّان، يتقاسمون المهام في رحلةٍ واحدة، يخوضون خلالها غمار البحر بحثًا عن اللؤلؤ في أعماقه طلبًا للرزق، في صورةٍ تعكس حجم الجهد والتعاون الذي ميّز تلك الرحلات، مبينًا أنها لم تخلُ من لحظاتٍ استثنائية، من بينها العثور في إحدى المرات على لؤلؤةٍ ثمينة بلغت قيمتها نحو (18,000) ألف ريال، في مشهدٍ يجسّد ما يختزنه البحر من مفاجآت.
وعن الحالات النادرة، أضاف أنه شارك برفقة إخوته في رحلةٍ أخرى قادتهم إلى العثور على صدفةٍ كبيرة احتضنت لؤلؤةً نادرة بحجمٍ يقارب البيضة الصغيرة، وهو حجمٌ يُعد من الحالات النادرة في عالم اللؤلؤ، مشيرًا إلى أن هذه الواقعة تعود إلى فترةٍ مبكرة من حياته، حين كانت تجارة اللؤلؤ لا تزال رائجة، وقد بيعت تلك اللؤلؤة آنذاك بمبلغ (400) ريال من الفضة المتداولة في ذلك الوقت.
وحول تجربته الطويلة يؤكد الغواص عثمان أن الغوص لم يكن مجرد وسيلةٍ لكسب العيش، بل تجربة حياةٍ متكاملة تعلّمها من الآباء والأجداد، وحملت في طياتها معاني الصبر والقوة والتوكل، مبينًا أن اللؤلؤ المستخرج من المحار يظل رزقًا من الله، لا يناله إلا من كُتب له؛ لتبقى هذه الحكايات شاهدًا حيًا على إرثٍ بحريٍ عريق، شكّل جزءًا أصيلًا من هوية جزر فرسان، وأسهم في رسم ملامح حياتها عبر عقودٍ طويلةٍ من الكفاح والصبر.
من جانبه، بيّن المشرف على فعاليات قرية القصار، إحدى فعاليات “ليالي الحريد (22)” عثمان بن محمد حُمق، أن مشاركة القرية في هذه الفعاليات تأتي بهدف إبراز الموروث البحري والتراثي الذي تتميز به جزر فرسان، وتعريف الزوار بتاريخ مهنة الغوص واستخراج اللؤلؤ، بوصفها أحد أهم المهن التي شكّلت هوية أهالي المنطقة قديمًا، وكيف أسهمت تجارة اللؤلؤ في ازدهار الحركة التجارية والاقتصادية في جزر فرسان، قبل أن تتراجع تدريجيًا مع ظهور اللؤلؤ الزراعي والصناعي، لتتحول مع مرور الوقت إلى جزءٍ أصيل من تراث الجزيرة وثقافتها القديمة.
وأوضح أن الفعاليات تسعى إلى تقديم تجربةٍ حية تعكس تفاصيل الحياة البحرية في الماضي، من خلال استحضار أدوات الغوص التقليدية، وعرض الممارسات المرتبطة بها، إلى جانب تعزيز حضور الحرفيين والأسر المنتجة، بما يسهم في ربط الأجيال الجديدة بإرثهم الثقافي، ويعزز من مكانة جزر فرسان وجهةً سياحيةً وثقافيةً.
ثقافي
عرض الكل“ليالي الحريد” تعيد أمجاد اللؤلؤ في ذاكرة أهالي جزر فرسان
