بين هيئة سمكة بدت كأنها تشق طريقها في الماء، وملامح صقر أوحت أطرافه بأنه يبسط جناحيه فوق البحر، كشفت المشاهد الجوية لجزر على ساحل منطقة مكة المكرمة عن تكوينات طبيعية منحت الخيال مساحة لقراءة اليابسة بطريقة مختلفة، وتتبع حدودها بوصفها خطوطًا لصورة تتكامل ملامحها كلما ارتفع النظر فوقها.
ووثقت عدسة “واس” مشاهد التقت فيها تعرجات الشواطئ وتدرجات المياه، فبرزت أطراف رملية وصخرية، وتقوست خلجان صغيرة بين امتدادات اليابسة، في لوحات استمدت جمالها من تفاوت الأشكال والألوان، وما صنعته المسافة وزاوية التصوير من تقارب بصري بين حدود الجزر وهيئات كائنات مألوفة.
ومن الجزر التي تزخر بها سواحل منطقة مكة المكرمة جزيرة “جبل الليث”، التي تتميز بصفاء مياهها وتستقطب هواة الغوص، وجزيرة “مرمر” بتنوعها البيئي والبحري، وجزيرة “شُغيب” المرجانية قبالة ساحل رأس محيسن، غرب مركز دوقة، إلى جانب جزيرتي “أم القماري البرانية والفوقانية”، اللتين تشكلان محمية جزر أم القماري، وارتبط اسمهما بكثرة طيور القماري التي تأوي إليهما؛ لتمنح هذه الجزر المشهد الساحلي تنوعًا يجمع بين جمال التكوين وثراء الحياة الفطرية.
وفي أحد المشاهد، استحضرت استطالة التكوين وضيق أحد طرفيه هيئة سمكة تحتضنها المياه؛ إذ تتبعت العين حوافه كما تتتبع انحناءة جسد، فيما أكملت امتداداته الطرفية هذا الانطباع، ليبدو المشهد من أعلى كأن البحر احتفظ بصورة أحد كائناته على سطحه، ورسم حدودها بالرمل والصخر.
وفي مشهد آخر، أوحت امتدادات اليابسة بصورة صقر باسط جناحيه؛ فقد تباعدت أطرافها، وتوغلت المياه بين انحناءاتها، تاركة بروزات متفاوتة الاتساع، بدت من زاوية الالتقاط كأجزاء من طائر توقفت حركته عند لحظة التحليق، في حين منحت الحواف الصخرية هذا التكوين خطوطًا واضحة، وأضافت التقوسات المحيطة به إحساسًا بالامتداد والحركة.
وأحاطت المياه الفيروزية بتلك الأطراف، ثم تدرج لونها إلى الأزرق الأعمق بعيدًا عنها، فأبرز اختلاف الألوان حدود اليابسة، وأتاح تتبع تفاصيلها من البروزات الدقيقة حتى المساحات الأوسع، وعلى سطحها، تباينت درجات الرمل والصخر، وتناثرت بقع داكنة أضافت إلى المشهد ملمسًا بصريًا أغنى تفاصيله.
ولم تقف جاذبية الصور عند التشابه مع سمكة أو صقر؛ إذ حضرت في انحناءات الشواطئ أقواس احتضنت الماء، وألسنة امتدت نحوه، وتجاويف منحت كل جزء من الساحل هيئة خاصة، وبين طرف عريض وآخر مستدق، وخط متصل تتخلله تعرجات، ظهرت تفاصيل يصعب جمعها في نظرة واحدة من مستوى الشاطئ، بينما أتاح المشهد الجوي رؤيتها ضمن تكوين متكامل.
وقدمت هذه الصور مدخلًا وصفيًا لتأمل جزر الساحل؛ فإلى جانب حضورها وسط البحر، برزت أشكالها بوصفها عنصرًا يستوقف الناظر، ويدعوه إلى المقارنة والتخيل، وظلت هيئتا السمكة والصقر قراءة بصرية ارتبطت بزاوية التصوير، بما ترك المجال مفتوحًا لانطباعات أخرى تستلهم تفاصيل المكان نفسه.
ويُشكّل هذا التنوع الطبيعي أحد مقومات السياحة الساحلية، التي تعمل الهيئة السعودية للبحر الأحمر على تنميتها من خلال تنظيم الأنشطة البحرية والساحلية السياحية، والارتقاء بجودة خدماتها ومعايير سلامتها، والتحقق من حماية البيئة البحرية بالتنسيق مع الجهات المعنية؛ بما يدعم تجارب سياحية تستمد جاذبيتها من طبيعة المكان، وتراعي الحفاظ على ثرائه البيئي، لتبقى التفاصيل التي تستوقف العدسة جزءًا من تجربة البحر وذاكرة زواره.
وعلى امتداد المشهد، بدت المياه كأنها ترسم اليابسة من الخارج، فيما أكملت الرمال والصخور تفاصيلها من الداخل؛ لتتشكل لوحة يتبدل معناها مع اتجاه النظر، ويظل جمالها في تلك اللحظة التي يعثر فيها المشاهد بين خطوط الساحل على ملامح يعرفها، فيرى سمكة من الرمل، أو صقرًا جناحاه من صخر، والبحر من حولهما فضاءً للصورة والخيال.
على سواحل مكة المكرمة.. جزر ترسم لوحات طبيعية بين زرقة البحر وتكوينات الصخور




