تتسع قراءة هوية جدة المعمارية لتشمل البيت والشارع والحي والواجهة البحرية؛ ففي العلاقة بين هذه الأماكن وحياة سكانها، تتكشف ملامح مدينة أسهم موقعها الساحلي وتاريخها التجاري وتنوعها الثقافي في تشكيل عمارتها، وتمنح أحياؤها القديمة والحديثة مجالًا لقراءة الصلة بين المكان والإنسان.
وتبدأ هذه القراءة من تفاصيل ترتبط بالحياة اليومية؛ كيف يستقبل المبنى الضوء والهواء، وكيف تتوازن فتحاته مع خصوصية ساكنيه، وكيف يتصل مدخله بالشارع، وما الذي تتيحه المساحات المحيطة به للمشي والجلوس واللقاء، أسئلة تجعل تصميم المكان جزءًا من تجربة العيش فيه، وتربط قيمته المعمارية بما يقدمه لمستخدميه.
وتوضح منصة “العمارة السعودية” أن العمارة الساحلية تأثرت بالطبيعة الساحلية والتفاعل الثقافي والتنوع الجغرافي، وأن جدة أدّت دورًا رئيسًا بوصفها ميناءً تجاريًا، ومحطة لتبادل المعارف والخبرات، انعكس على أنماطها العمرانية، وتبرز في هذا الطراز استجابة البناء للبيئة، من خلال المواد المحلية ومعالجات الفتحات التي تجمع بين الخصوصية والوظيفة الجمالية.
من جانبها أوضحت رئيس وحدة العمارة السعودية بأمانة محافظة جدة رزان عبدالرزاق علي باغانم، أن الموجهات التصميمية للعمارة الحجازية الساحلية تأتي ضمن الجهود الرامية إلى تعزيز الهوية المعمارية لمدينة جدة، والحفاظ على خصائصها المحلية، وتطويرها بما يتوافق مع متطلبات البناء المعاصر، مشيرةً إلى أن الالتزام بهذه الموجهات يُعد متطلبًا تصميميًا ملزمًا لجميع المشاريع؛ بما يسهم في رفع جودة الواجهات، وتحقيق الاتساق في المشهد العمراني، وفق الضوابط والإجراءات المنظمة لذلك.
وبيّنت أن أهمية هذه الموجهات تكمن في أنها لا تقتصر على استنساخ العناصر التراثية أو إضافتها بصورة شكلية، وإنما تقوم على فهم الخصائص المعمارية للمنطقة وإعادة توظيفها بما يتناسب مع متطلبات الحياة المعاصرة، وتشمل أبرز هذه الخصائص التكوين المتوازن للواجهة، وتنظيم الفتحات، وتوظيف العناصر البارزة، واختيار الألوان والمواد المتناغمة مع البيئة المحلية، إلى جانب الاستخدام المدروس للمفردات المستلهمة من التراث الحجازي، مؤكدةً أن الهوية العمرانية لا تُقاس بحضور عناصرها منفردة، بل بمدى تكاملها في تشكيل مبانٍ تعبر عن المكان وتنتمي إليه، وتجمع بين أصالته ومتطلبات الحياة المعاصرة.
وأشارت إلى أن وحدة العمارة السعودية بأمانة جدة تعمل على مراجعة التصاميم المقدمة وفق الموجهات المعتمدة، بما يدعم تطبيق الهوية في المشاريع السكنية الجديدة، ويعزز التكامل بين التصميم المعماري والسياق العمراني المحلي، وأن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تكامل أدوار المكاتب الهندسية والجهات ذات العلاقة، والالتزام بالموجهات في مرحلتي التصميم والتنفيذ، بما يسهم في بناء هوية معمارية معاصرة تستمد أصالتها من المكان، وتستجيب لاحتياجات الإنسان، وتتجاوز تحسين الواجهات إلى بناء مشهد عمراني متجانس، يحمل ذاكرة جدة، ويجسد حاضرها، ويؤسس لهوية معمارية راسخة في مستقبلها.
ويمنح ذلك المناخ موقعًا أساسيًا في فهم العمارة؛ فاختيار المادة، وتنظيم دخول الضوء، وإتاحة التهوية، عناصر تتصل براحة السكان وبطريقة استخدامهم للمبنى، ومن هذه الزاوية، تصبح قراءة الواجهة مرتبطة بما وراءها من احتياجات، ويغدو ارتباط التصميم ببيئته مدخلًا لفهم خصوصية المدينة المعمارية.
وفي جدة التاريخية، يظهر أحد الجذور التي تساعد على تفسير هذه الخصوصية؛ إذ يشير مركز التراث العالمي بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” إلى أن دور المدينة في التجارة واستقبال الحجاج القادمين بحرًا أسهم في نشوء مركز متعدد الثقافات، جمع تقاليد البناء المحلية بتأثيرات وحرف انتقلت عبر طرق التجارة، وتتيح هذه الخلفية قراءة العمارة بوصفها أثرًا للتفاعل بين السكان والمكان وحركة العبور.
وتمتد القراءة إلى الأحياء الحديثة، حيث تتنوع صور السكن بين الفلل والمباني السكنية متعددة الوحدات، وتتجاور الاستخدامات السكنية والتجارية والخدمية، ويتيح هذا التنوع النظر إلى الهوية من خلال علاقة المبنى بمحيطه، ومدى مراعاة التصميم لاحتياجات الأسرة والخصوصية، والانتقال من المسكن إلى الخدمات والمساحات المشتركة.
وتحضر المساحات العامة في هذه العلاقة؛ فقد وثقت وكالة الأنباء السعودية تجهيز ممرات للمشاة في أنحاء جدة، منها ممشيا حي الأمير فواز والرحاب، إلى جانب ممشى الواجهة البحرية، بما تتضمنه من مقاعد وأماكن للاستراحة وتجهيزات لخدمة مستخدميها، وتقدم هذه الأمثلة مدخلًا لقراءة البعد الإنساني في عمران المدينة، عبر الأماكن التي تستوعب الحركة والترفيه واللقاء خارج حدود المسكن.
وعلى الساحل، تتصل قراءة المكان بإتاحة الوصول إلى البحر واستخدام المساحات المطلة عليه، فالممرات والجلسات ومناطق التنزه عناصر تمنح العلاقة بين المدينة وساحلها حضورًا في الحياة اليومية، وتفتح مجالًا للنظر إلى الهوية على مستوى المشهد العمراني، بما يضم المباني والفراغات وطرق الحركة بينها.
ويواكب هذه القراءة توجه العمارة السعودية إلى تطوير حلول معاصرة تستلهم الخصائص المحلية، مع تنوع أساليب التطبيق بين التقليدي في المواقع التاريخية، والانتقالي في محيطها، والمعاصر في المشاريع الجديدة، فيما يتيح هذا التنوع امتداد الهوية عبر مراحل نمو المدينة، مع مساحة لتطوير تصاميم تستجيب لاختلاف المواقع والاستخدامات.
وفي المباني والفراغات التي تُصمَّم اليوم، يظل اتصال العمارة بحياة الإنسان محورًا لقراءة هوية جدة؛ من راحة الساكن داخل منزله، إلى سهولة حركة المشاة، وملاءمة أماكن الجلوس، وعلاقة المبنى بالشارع، وهي تفاصيل تمنح الخصوصية المحلية حضورًا ملموسًا في تجربة المكان اليومية.



