تفتح زراعة اللبان الذكر “الكندر” في منطقة نجران آفاقًا جديدة لتنويع الاستثمار الزراعي، انطلاقًا من القيمة الاقتصادية لهذا المنتج الطبيعي وتعدد استخداماته في الصناعات العطرية والتجميلية، وما يوفره من فرص لتطوير سلاسل الإنتاج والتصنيع والتسويق، بما يعزز الاستفادة من الموارد النباتية ويدعم استدامة النشاط الزراعي في المنطقة.
وتبرز أهمية هذه التجربة في إمكانية تحويل زراعة الأشجار المنتجة للصمغ الطبيعي إلى نشاط اقتصادي تتكامل فيه مراحل الزراعة والحصاد والمعالجة والتعبئة، وصولًا إلى المنتجات النهائية ذات القيمة المضافة، في ظل تنامي الاهتمام بالمواد النباتية المستخدمة في صناعة العطور والبخور ومستحضرات التجميل.
وأوضح مدير عام فرع وزارة البيئة والمياه والزراعة بمنطقة نجران، المهندس مريح بن شارع الشهراني، أن زراعة اللبان الذكر تمثل مجالًا واعدًا لدراسة فرص التوسع في الأشجار ذات القيمة الاقتصادية والبيئية، بما يسهم في تنويع القاعدة الإنتاجية الزراعية، وتعزيز الاستدامة البيئية، واستكشاف أنماط إنتاج جديدة تتوافق مع المقومات الطبيعية للمنطقة.
وأكد أهمية إخضاع تجارب زراعة هذه الأشجار للدراسات العلمية التي تراعي الخصائص المناخية، وطبيعة التربة، والاحتياجات المائية، ومدى ملاءمة المواقع الزراعية، إلى جانب تقييم نتائج التجارب الميدانية لتحديد الممارسات المثلى التي تدعم نمو الأشجار واستدامة إنتاجها.
وأشار إلى أن تنويع الخيارات الزراعية يتطلب التوسع في دراسة النباتات والأشجار ذات الجدوى الاقتصادية والملائمة للبيئة المحلية، والاستفادة من نتائج البحوث والتجارب الزراعية في تطوير فرص استثمارية جديدة، مع المحافظة على الموارد الطبيعية وتعزيز الغطاء النباتي.
وبيّن أن تطوير هذا المجال يستدعي تكامل الجهود بين الجهات المختصة والجامعات والباحثين والمزارعين، بما يسهم في نقل المعرفة العلمية إلى التطبيق الميداني، ويدعم الابتكار في الإنتاج الزراعي، ويفتح المجال أمام الاستثمار في المنتجات النباتية والصناعات القائمة عليها.
من جانبه، أوضح رئيس قسم العقاقير بكلية الصيدلة في جامعة نجران الدكتور عميش بن سلمان القحطاني، أن اللبان الذكر من المنتجات النباتية التي اكتسبت أهمية واسعة لتعدد مكوناتها واستخداماتها، ويُعرف علميًا باسم (Boswellia carteri) Boswellia sacra، وينتمي إلى الفصيلة النباتية Burseraceae، ومن أسمائه الشائعة الكندر واللبان المر .
وبيّن أن اللبان يتكون من مزيج من الراتنج والصمغ والزيوت الطيارة، إلى جانب مركبات كيميائية متعددة، من أبرزها أحماض البوسويليك، ومركبات الباينين ضمن مكونات زيته الطيار، وهو ما يعزز أهميته بوصفه مادة أولية تدخل في عدد من الاستخدامات العطرية والصناعية، ويجعل دراسة مكوناته وخصائصه مجالًا مهمًا للبحث العلمي.
وأشار إلى أن شجرة اللبان تتميز بطبيعتها المتفرعة وأوراقها الريشية وأزهارها الصغيرة، ويتراوح ارتفاعها عادة بين ثلاثة وخمسة أمتار، فيما يُستخرج صمغها من خلال إحداث خدوش مدروسة في اللحاء، تسمح بخروج المادة الصمغية التي تتصلب تدريجيًا قبل جمعها، وفق أساليب تراعي المحافظة على الشجرة واستدامة إنتاجها.
ولفت إلى أن تعدد استخدامات اللبان الذكر في صناعة العطور والبخور ومستحضرات التجميل، إلى جانب حضوره في بعض الممارسات الطبية التقليدية، يمنحه أهمية اقتصادية تتجاوز صورته بوصفه مادة خامًا، ويعزز فرص الاستفادة منه في تطوير منتجات متنوعة تستند إلى خصائصه النباتية ومكوناته الطبيعية.
بدوره، أكد المزارع والخبير الزراعي محمد آل تيسان أن إنتاج اللبان يبدأ بخدش سيقان الأشجار بأداة حادة، لتخرج مادة لزجة بيضاء تتصلب تدريجيًا ويتحول لونها إلى البني، ثم تُجمع بعد اكتمال تصلبها، لتشكل المنتج الخام الذي يتميز برائحته وطعمه المر.
وأوضح أن جودة اللبان المنتج محليًا يمكن أن تشكل عنصرًا داعمًا لتسويقه في الأسواق، وتمنح المزارعين فرصة لتنويع أنشطتهم الزراعية، مشيرًا إلى أهمية تطوير أساليب الإنتاج والفرز والتعبئة بما يحافظ على جودة المنتج ويعزز قدرته التنافسية.
وبيّن أن القيمة الاقتصادية للمشروع يمكن أن تتعزز من خلال الانتقال من بيع الصمغ الخام إلى تطوير منتجات ذات قيمة مضافة، تشمل استخلاص الزيوت الطيارة وتقطيرها وتعبئتها، بما يتيح فرصًا أوسع للتسويق ويفتح المجال أمام مشروعات إنتاجية صغيرة ومتوسطة، مع أهمية تقييم تكاليف التشغيل والإنتاج والإيرادات المتوقعة لتحديد الجدوى الاستثمارية بدقة.
وأكد أن تطبيق تقنيات الري المقنن، واتباع الممارسات السليمة في تجريح الأشجار وجمع الصمغ، يمثلان عاملين مهمين في المحافظة على الموارد المائية وسلامة الأشجار واستدامة الإنتاج، بما يعزز فرص تطوير زراعة اللبان الذكر ضمن منظومة زراعية تراعي الأبعاد الاقتصادية والبيئية.
وتعكس زراعة اللبان الذكر في نجران توجهًا نحو استكشاف محاصيل وأشجار ذات قيمة مضافة، تسهم في تنويع مداخيل الاقتصاد الزراعي بالمنطقة و إمداده بروافد اقتصادية جديدة تعزز نموه، وفقًا لميزه النسبية، وتطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بالمنتجات النباتية، وتعزيز الاستفادة من المقومات الطبيعية للمنطقة في بناء فرص استثمارية مستدامة.



