تجاوز إلى المحتوى

اللغة والهوية.. من حيوية الدلالة إلى ذاكرة الشعر

دلال الصالح • • 5 دقائق قراءة

ناقش المؤتمر السنوي الخامس لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، المنعقد بعنوان “اللغة العربية والثقافة: التداخلات والأبعاد” عددًا من القضايا المرتبطة باللغة والهوية الثقافية، من بينها التغير الدلالي في مصطلحات البيانات والذكاء الاصطناعي، واستخدام اللهجات في الخطاب الرقمي، ودور الشعر العربي في حفظ مظاهر الهوية العربية وقيمها.
وتناولت ورقة قدمها أستاذ اللغة العربية بجامعة الباحة الدكتور مكين القرني، بعنوان “تغير الدلالة بالنقل المجازي وحيوية الهوية الثقافية.. التغير الدلالي بالنقل المجازي في معجم البيانات والذكاء الاصطناعي أنموذجًا”، ظاهرة الاقتراض الدلالي عن طريق الترجمة، وما يترتب عليها من نقل دلالات جديدة إلى المفردات العربية، متخذًا “معجم البيانات والذكاء الاصطناعي” الصادر عن مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية نموذجًا للتطبيق.
وأوضح البحث أن التغير الدلالي بالنقل المجازي عن طريق الترجمة يمثل تغيرًا دلاليًّا خارجيًّا؛ إذ تنشأ الدلالة الجديدة بفعل عامل خارجي هو الترجمة، وليس نتيجة تطور ذاتي داخل نظام اللغة، مشيرًا إلى أن هذا النوع من النقل يمكن أن يسهم في إثراء اللغة العربية وربطها بالمستجدات العلمية والتقنية، متى استند إلى علاقات مجازية منسجمة مع نظام العربية.
وبيّن القرني أن الدراسة سعت إلى بحث مدى إسهام تغير الدلالة بالنقل المجازي في تشكيل هوية ثقافية مرنة تتناسب مع العصر، دون أن تفقد أصالتها، إلى جانب رصد شواهد هذا التغير في مصطلحات البيانات والذكاء الاصطناعي، ومدى انسجامها مع الهوية الثقافية، ودور المجامع اللغوية في تحقيق مثاقفة ندية تراعي الحمولات الفكرية والفلسفية للمصطلحات الأجنبية قبل اعتمادها.
وتناول الباحث عددًا من النماذج، من بينها مصطلحات “التشذيب” و”التبطين” و”التجذيع” و”التقليم” و”التنقيب”، إلى جانب المصطلحات المركبة مثل “هلوسة الذكاء الاصطناعي” التي نقلت فيها دلالة الهلوسة من وصف حالة الإنسان إلى وصف مخرجات نظام الذكاء الاصطناعي، وكذلك “بيانات متدفقة” التي انتقلت فيها دلالة التدفق من مجال السوائل إلى مجال البيانات، استنادًا إلى المشابهة بين تدفق المياه وتدفق البيانات.
وأشار البحث إلى أن التعبير عن المصطلحات الأجنبية بألفاظ عربية فصيحة على سبيل المجاز يعزز الهوية الثقافية، إلا أن ذلك يتطلب وعيًا بالحمولات الفكرية والفلسفية للمصطلحات المستوردة، حتى لا تؤدي بعض الاستعارات إلى إضفاء صفات بشرية على الآلة أو ترسيخ تصورات معرفية لا تنسجم مع المنظومة الثقافية العربية.
وأكدت الدراسة أهمية تعزيز مفهوم المحاكاة في التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، واختيار مترجمين يمتلكون معرفة باللغة المصدر وفلسفاتها، إلى جانب إتقانهم للغة العربية وأنظمتها وقيمها وجمالياتها، بما يسهم في إنتاج مصطلحات تستوعب التطورات العلمية والتقنية دون إخضاع اللغة العربية لشروط الثقافة المهيمنة.
وفي محور آخر، تناولت الدكتورة نازك العزام والدكتور باسل المشاقبة من الجامعة الهاشمية في الأردن ورقة بعنوان “اللهجة والهوية الثقافية في خطاب صانعي المحتوى الرقمي: بين التقريب الثقافي وتعميق الفجوة مع الفصحى”، ناقشا خلالها التحول الذي يشهده الخطاب الثقافي في الفضاء الرقمي، مع تنامي استخدام اللهجات المحلية إلى جانب العربية الفصحى في منصات مثل “يوتيوب” و”تيك توك” و”إنستغرام”.
وبيّنت الورقة أن استخدام اللهجات في صناعة المحتوى الرقمي أسهم في تعزيز تمثيل الهويات والثقافات المحلية، وجعل التواصل أكثر قربًا وعفوية، لكنه في المقابل يثير تساؤلات بشأن أثر هيمنة اللهجات في حضور العربية الفصحى، ومدى تأثير ذلك في ارتباط الأجيال باللغة والتراث.
وركزت الدراسة على مسارين رئيسين؛ أولهما “التقريب الثقافي” من خلال توظيف اللهجة لتعزيز القرب من الجمهور، وإبراز الهوية المحلية، ونقل التراث وبناء الثقة، وثانيهما “الفجوة اللغوية” التي قد تنشأ عن هيمنة اللهجات، بما قد يؤدي إلى تراجع حضور الفصحى ومكانتها الرمزية في الخطاب الثقافي الرقمي.
واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي لتحليل عينات من المحتوى الرقمي الأردني والسعودي، ورصد مستوى استخدام اللهجات، وحضور الفصحى والمزج اللغوي، والمفردات والرموز المرتبطة بالتراث، إلى جانب تحليل تفاعل الجمهور مع هذا المحتوى.
وأظهرت النتائج أن توظيف اللهجة في الخطاب الرقمي يمثل واقعًا لغويًا قابلًا للمعالجة المتوازنة، وأن اللهجة تؤدي وظيفة مهمة في التعبير عن الانتماء المحلي وتعزيز الألفة والعفوية، خصوصًا في المحتوى الشخصي واليوميات والمحتوى الكوميدي.
وأشارت الدراسة إلى أن الاستخدام المكثف للهجة المحلية المغرقة في المناطقية قد يؤدي إلى تقليل التقريب الثقافي، نتيجة صعوبة فهمها لدى الجمهور خارج البيئة المحلية، في حين يعكس التناوب بين الفصحى واللهجة المخففة وعيًا بطبيعة الجمهور المستهدف؛ إذ تسهم الفصحى في توسيع نطاق انتشار المحتوى ووضوحه، بينما تعزز اللهجة القرب والتأثير.
وأكدت الدراسة أن المحافظة على حضور الفصحى في الفضاء الرقمي لا تعني إقصاء اللهجات أو إنكار دورها التواصلي، وإنما تستهدف تحقيق توازن لغوي يحفظ الهوية الثقافية، ويعزز الأمن اللغوي، مع دعم المحتوى التراثي القائم على الفصحى المبسطة، والحفاظ في الوقت نفسه على الخصوصية المحلية التي تمثلها اللهجات.
وفي السياق ذاته، تناولت الدكتورة هبة عقيل في ورقتها “الشعر العربي وأثره في حفظ مظاهر الهوية العربية.. قراءة في شعر معن بن أوس المزني” مكانة الشعر العربي بوصفه حافظًا لذاكرة الأمة العربية وقيمها وثقافتها، ووسيلة لنقل مظاهر الانتماء والهوية بين الأجيال.
وأوضحت أن الشعر العربي القديم احتفى بقيم المروءة، وأسهم ذلك في حفظه وتناقله واهتمام الرواة والنقاد والدارسين به، مبينة أن اللغة تمثل مرآة للهوية العربية وجسرًا تنتقل عبره القيم الأخلاقية من جيل إلى آخر، وحصنًا ثقافيًا يحفظ مظاهر الهوية، ويعزز حضورها في الوعي الجماعي.
واتخذت الدراسة من شعر معن بن أوس المزني نموذجًا؛ لما يتضمنه من قيم أخلاقية، ولا سيما المروءة، وما يكشف عنه من تداخل بين اللغة والقيم بوصفهما عنصرين أساسيين في تشكيل الهوية الثقافية العربية.
وتتبعت الدراسة تجليات المروءة في شعره ضمن عدد من السياقات، شملت السياق الذاتي، والفخر القبلي، والمدح، والهجاء، مبينة أن الشاعر وظف اللغة وطاقاتها التعبيرية والتصويرية لترسيخ قيم الحلم والعفو والصبر والكرم وصلة الرحم والوفاء والشجاعة وغيرها من القيم التي ارتبطت بالمروءة في الثقافة العربية.
وأشارت إلى أن قصائد معن بن أوس تكشف عن قدرة اللغة العربية على تشكيل القيم الأخلاقية في صورة فنية وجمالية، من خلال ثراء مفرداتها ودقة دلالاتها وتنوع أساليبها، كما وظف الشاعر عددًا من الأدوات البلاغية، ومن أبرزها الكناية، في التعبير عن القيم وترسيخ حضورها لدى المتلقي.
وبيّنت الدراسة أن الفخر بالقيم الأخلاقية في شعر معن بن أوس ارتبط بالانتماء إلى الجماعة وصيانة موروثها، فيما أدى المدح دورًا في تعزيز حضور الفضائل وتحويلها إلى موروث تتناقله الأجيال، بينما أسهم الهجاء في إبراز نقائض المروءة، والنقد الأخلاقي والاجتماعي للسلوكيات المخالفة لها.
وخلصت الورقة إلى أن الشعر أسهم في حفظ مظاهر الأصالة العربية ومقوماتها، ونقلها من كونها موروثًا ذهنيًا إلى قواعد للسلوك وأسس للانتماء والولاء، كما أسهمت المضامين الأخلاقية السامية في منح الشعر قدرة على الاستمرار، والانتقال بين الأجيال.
وأكدت الأوراق الثلاث أهمية النظر إلى اللغة بوصفها عنصرًا فاعلًا في تشكيل الهوية الثقافية، سواء من خلال قدرتها على استيعاب المصطلحات العلمية والتقنية، أو من خلال حضورها في الخطاب الرقمي، أو عبر ما تختزنه النصوص الأدبية والشعرية من قيم ومظاهر للانتماء الثقافي.

دلال الصالح

كاتب في صحيفة عين الإخبارية، يقدم محتوى إخبارياً ومقالات تواكب أبرز القضايا والموضوعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *