في أحد الأزقة العتيقة التي تفوح منها رائحة التاريخ بمنطقة جدة التاريخية، وتحديدًا في “زقاق الليات”، يبرز “نادي الخراطة” منارةً ثقافية وحرفية فريدة تُعيد النبض إلى واحدة من أدق الحرف الحجازية الأصيلة وأكثرها ارتباطًا بالهوية العمرانية للمنطقة، حيث نجح هذا المصنع الإبداعي في نيل ثقة واسعة بين زواره وعشاق الفنون التراثية.
ويُشرع النادي أبوابه بانتظام لاستقبال الشغوفين والزوار، مقدمًا مفهومًا متكاملًا يجمع بين كونه مصنعًا لإنتاج القطع الخشبية الفاخرة ومساحة ملهمة لتعلم الفنون اليدوية، حيث يتخصص المركز بشكل دقيق وعميق في فن خراطة الأخشاب وصناعة القطع الخشبية التراثية التي تحاكي الإرث العريق لجدة القديمة؛ بدءًا من التفاصيل الهندسية الدقيقة التي ميزت الرواشين والمشربيات الحجازية، وصولًا إلى الأواني والتحف المنزلية التي تُصنع بلمسات فنية معاصرة لا تفقد الأصالة روحها.
وتدور عجلة الإنتاج والتدريب داخل هذا الفضاء الحيوي تحت إشراف وتوجيه نخبة من الحرفيين الخبراء، الذين أخذوا على عاتقهم نقل أسرار وتفاصيل هذه الصنعة الدقيقة إلى الأجيال الجديدة، مبرزين قيم الإتقان والصبر والمهارة الممتدة عبر الأجيال، ومعتمدين في ذلك على أجود أنواع الأخشاب الطبيعية التي تُشَكَّل أمام أعين الزوار في تجربة بصرية وسمعية آسرة.
ويُمثل “نادي الخراطة” نموذجًا حيًّا لجهود صون التراث اللامادي ومقاومة اندثار الحرف اليدوية في عصر التطور الرقمي؛ إذ تُثبت هذه المحترفات أن خراطة الخشب ليست مجرد صناعة لقطع نفعية، بل هي لغة بصرية وثقافية تعزز الهوية الوطنية وتربط الأجيال المعاصرة بجذورها الحجازية الأصيلة، ليبقى هدير المخرطة في زقاق الليات شاهدًا على عمق الذاكرة وإبداع الإرث الإنساني المستدام.



