تتسم الصفحات التنموية للملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود -رحمه الله- بشواهد مضيئة يتجلى من خلالها فكره الاستشرافي والحضاري وحرصه على تعليم أبناء الوطن وتشجيعهم نحو العلم والمعرفة والانتقال نحو تنمية المجتمع بشمولية بما يحقق لهم الأمن والاستقرار.
وأولى -رحمه الله- التعليم عنايةً بوصفه أساسًا لبناء الإنسان ونهضة الوطن، فواكب مسيرة توحيد البلاد وتأسيس الدولة بإنشاء المؤسسات التعليمية، وافتتاح المدارس، وإعداد المعلمين، وإيفاد الطلاب للدراسة في الخارج، واضعًا أسس التعليم النظامي في المملكة.
ومن بين فصول الذاكرة الوطنية المجيدة، تستقرئ “واس” جوانب من شخصية الملك عبدالعزيز -رحمه الله- واهتمامه بتعليم أبناء الوطن وتشجيعهم على طلب العلم والعمل به، بوصفه أساسًا لنهضة الوطن وتقدمه، ضمن مسيرة تجاوزت توحيد الأرض إلى بناء مجتمع ومؤسساته، ومن هذا المنطلق، حرص -رحمه الله-، على نشر التعليم وجعله مجانيًا ومتاحًا للجميع، ليكون وسيلة لبناء الإنسان والوطن.
يقول خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-: “تاريخ الملك عبدالعزيز -رحمه الله- لا يقتصر على جوانب الكفاح وإنجازات التوحيد والبناء فحسب، التي هي مهمة ومعلومة للجميع، وإنما يتضمن جوانب كثيرة تبرز فيها شخصيته الإنسانية”.
وتجلت عنايته -رحمه الله- بطلاب العلم في كلمته التي ألقاها عام 1350هـ / 1931م في حفل تخرج طلاب المعهد العلمي السعودي، حيث توجه بمخاطبتهم: “أيها الأبناء، إنكم أول ثمرة من غرسنا الذي غرسناه في المعهد، فاعرفوا قدر ما تلقيتموه فيه من العلم، واعلموا أن العلم بلا عمل، كشجرة بلا ثمر”.
وأوضح لهم أن قيمة العلم لا تقاس بكثرته وحده، إنما بما يثمره من عمل نافع، مؤكدًا أن قليلًا من العلم تحل فيه البركة خير من علم كثير لا يُنتفع به.
ودعا الخريجين إلى المحافظة على دينهم ولغتهم وبلادهم، وقال -رحمه الله-: “من كان منكم من بيت رفيع، فليحرص على ألا يكون سببًا في خفضه، ومن كان من آخر، فليبنِ لنفسه مجدًا، فاعملوا إنّا لعملكم منتظرون والله ولي التوفيق”.
وكان التعليم في بعض المناطق يعتمد على الكتاتيب التي تُدرّس القرآن الكريم والعلوم الدينية والقراءة والكتابة، فعمل الملك عبدالعزيز -رحمه الله- على توسيع فرص التعليم وتنظيمه، بافتتاح المدارس وإرسال المعلمين والمشايخ إلى القرى والهجر، إلى جانب الاهتمام بالتعليم في المدن الكبيرة.
وأحدث ذلك تأثيرًا مهمًا ونقلة نوعية مكتملة الجوانب عززت الاستقرار والوحدة والترابط الاجتماعي ومشاركة جميع الأهالي والشعب في مسيرة التنمية وصولًا للمنجزات السعودية حتى اليوم.
وفي عام 1344هـ / 1926م أمر الملك عبدالعزيز -رحمه الله- بإنشاء مديرية المعارف العمومية لتتولى شؤون التعليم، وتوالى على إدارتها عدد من التربويين، تلاها في عام 1345 هـ / 1927م افتتاح المعهد العلمي السعودي لتخريج معلمي المرحلتين الابتدائية والأولية.
وتواصل تنظيم التعليم بإنشاء مجلس المعارف عام 1346 هـ / 1928م؛ ليكون مشرفًا على تقدم التعليم، فيما عملت المديرية على فتح المدارس الحكومية ومساندة المدارس الأهلية.
وتميزت سياسة الملك عبدالعزيز -رحمه الله- بتجاوز التحديات ومع الحاجة إلى تخصصات غير متوافرة محليًا أُرسلت أول بعثة دراسية إلى الدول العربية، ثم توالت البعثات، ولم تقف هذه الخطوة عند ذلك، بل افتتحت في عام 1356 هـ / 1937م مدرسة تحضير البعثات لتأهيل المبتعثين قبل سفرهم، وافتتحت المديرية معتمديات في كل منطقة للإشراف على التعليم ومتابعته، واستمر التوسع بإنشاء المدارس الابتدائية والثانوية في مختلف مناطق المملكة.
وفي عام 1364هـ / 1945م، افتتحت مدرسة “دار التوحيد” بالطائف، وركزت على تدريس أصول الدين وفروعه وعلوم اللغة العربية، لتلبية حاجة البلاد إلى متخصصين في القضاء والإرشاد وتدريسها.
وشكل افتتاح كلية الشريعة في مكة المكرمة عام 1369 هـ / 1950م، ثم كلية المعلمين عام 1372 هـ / 1953م، وفي العام التالي منه 1373 هـ 1953م كلية الشريعة في الرياض؛ نواة للتعليم الجامعي، إذ لم تقتصر بدايات التعليم على التعليم العام فقط، بل امتدت لكل المستويات والأعمار، وفي كل المناطق.
وأسهمت الإنجازات النوعية والمكتسبات الوطنية التي شهدتها المملكة خلال العقود اللاحقة تحقيق تنمية شاملة ومستدامة تُظهر جليًا استباقية استشراف المستقبل والجهد الكبير الذي وضع أساسه الملك عبدالعزيز -رحمه الله- ومواصلة الملوك قادة المملكة -رحمهم الله- من بعده، حتى أضحت اليوم واقعًا معاشًا ومشاهدًا، نتيجة القرارات الحكيمة والتوجيهات السديدة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظهما الله-، ووفق رؤية طموحة أحدثت نقلة نوعية في مسيرة تنمية البلاد، وبما حققته من تحول شامل وملموس في المناحي الاقتصادية، والخدمات، والبنية التحتية واللوجستية، وجوانب الحياة الاجتماعية والثقافية؛ مما جعل المملكة محطّ أنظار العالم، وصدارة استثمارها الأهم في تنافسية أبناء الوطن وبناته عالميًا.
الملك عبدالعزيز والتعليم.. بناء الإنسان والمؤسسات




