ثقافي

عرض الكل

“قُرح” الأثرية بالعُلا.. قصةُ مدينةٍ تاريخية كانت مركزًا للحركة التجارية والثقافية عبر العصور

🗓 مارس 11, 2026 ⏱ 1 دقيقة قراءة

تقف آثار مدينة “قُرح” الأثرية جنوب محافظة العُلا شاهدًا على تاريخٍ عريق، إذ مثّلت عبر قرونٍ متعاقبة واحدةً من أبرز مدن وادي القرى التي ازدهرت فيها الحركة التجارية والثقافية، مستفيدةً من موقعها الجغرافي الذي جعلها محطةً مهمة في شبكة الطرق القديمة التي ربطت جنوب الجزيرة العربية بشمالها.
وتقع مدينة قُرح على بُعد نحو (20) كيلومترًا جنوب البلدة القديمة في العُلا، بالقرب من قرية مغيْراء، حيث تنتشر بقاياها الأثرية في سهلٍ واسع تحيط به جبال متوسطة الارتفاع، في موقع يعكس الأهمية الجغرافية التي تمتعت بها المدينة في مسارات القوافل التجارية عبر العصور.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن قُرح كانت حاضرة وادي القرى ومركزًا اقتصاديًا بارزًا، عُرفت بأسواقها النشطة وتوافد التجار إليها من مناطق متعددة في الجزيرة العربية، وقد أورد المؤرخ ابن الكلبي وصفًا لها بوصفها مدينة عامرة بالنشاط الاقتصادي والثقافي، ومقصدًا للتجار وأرباب الحرف.
كما ورد ذكر المدينة في مؤلفات عددٍ من الجغرافيين المسلمين، حيث وصفها الجغرافي الأصطخري في القرن الرابع الهجري بأنها من كبريات مدن الحجاز بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة واليمامة، مشيرًا إلى ما اشتهرت به من وفرة المياه وكثرة النخيل واتساع الحركة التجارية فيها.
وفي السياق ذاته، أشار الجغرافي المقدسي إلى مكانة المدينة ضمن أهم حواضر الجزيرة العربية، مبينًا أنها كانت من أكثر البلاد عمرانًا وكثافةً سكانية بعد مكة المكرمة، وموطنًا لأسواقٍ نشطة وتنوعٍ سكاني جاء من مناطق مختلفة.
ومع تعاقب الأزمنة، بدأت المدينة تشهد تراجعًا تدريجيًا في عمرانها، وهو ما أشار إليه الجغرافي ياقوت الحموي في القرن السابع الهجري، حيث ذكر أن بعض معالمها اندثر مع مرور الزمن، في حين بقيت آثارها ومصادر مياهها شاهدًا على ماضيها المزدهر.
ومع نهاية القرن السادس الهجري، بدأ اسم قُرح يتراجع تدريجيًا، لتبرز مدينة العُلا الواقعة شمال الوادي بوصفها مركزًا عمرانيًا جديدًا في المنطقة، وقد وصفها الرحالة ابن بطوطة خلال مروره بها عام (725هـ) بأنها قرية كبيرة حسنة تكثر فيها المياه والبساتين.
وتكشف البقايا الأثرية في موقع قُرح اليوم عن معالم عمرانية متعددة تشمل بقايا مبانٍ وأسواقٍ وشوارع، إلى جانب أنماطٍ معمارية تعود إلى العصور الإسلامية الأولى، ما يعكس حجم النشاط الاقتصادي والحضاري الذي شهدته المدينة خلال مراحل ازدهارها.
وارتبطت المدينة تاريخيًا بمسار طريق البخور القديم، الذي شكّل أحد أهم طرق التجارة في الجزيرة العربية، إذ كانت القوافل تنقل عبره السلع الثمينة من جنوب الجزيرة إلى شمالها مرورًا بوادي القرى، ما منح المدينة مكانة اقتصادية بارزة في تلك الحقبة.
وتواصل الهيئة الملكية لمحافظة العُلا جهودها في دراسة هذا الموقع التاريخي، من خلال تنفيذ أعمال مسح وتنقيب ميداني بالتعاون مع بعثات علمية ومراكز بحثية دولية، بهدف توثيق تاريخ المدينة والكشف عن مكنوناتها الأثرية، بما يسهم في إبراز إرثها الحضاري وتعزيز حضور العُلا بوصفها وجهةً ثقافيةً عالمية تحتضن تاريخًا إنسانيًا عريقًا.