تجاوز إلى المحتوى

مرقب منيخ.. حيث صاغ الإنسان من الجبل حصنًا وذاكرة

ماجد السبيعي 4 دقائق قراءة

إعداد: أحلام القحطاني.
على قمة جبل منيخ غرب مدينة المجمعة، يقف المرقب شاهدًا على توظيف التضاريس الطبيعية في العمارة الدفاعية النجدية قديمًا، إذ شيّده أهل المدينة للمراقبة والحماية، مستفيدين من ارتفاع الموقع وانحداراته في رصد التحركات القادمة إليها.
وشُيّد المرقب على جبل يرتفع نحو 25 مترًا عن مستوى الأرض المحيطة، ما أتاح للحراس الإشراف على المجمعة ومراقبة محيطها من عدة جهات، عبر فتحات ضيقة موزعة على امتداد تحصيناته.
وتعود تسمية “منيخ” إلى بلدة قديمة تقع بالقرب من الجبل، ورد ذكرها في بعض المصادر التاريخية، ومنها كتاب الهمداني، فسُمّي الجبل نسبة إليها، ثم ارتبط الاسم بالمرقب المقام على قمته. وتشير المعلومات التاريخية إلى أن جذور المرقب قد تعود إلى العقد الثالث من القرن التاسع الهجري، الموافق للقرن الخامس عشر الميلادي.
وأدت المراقب -جمع مرقب-، أدوارًا في الحراسة والرصد والاتصال قديمًا، ووردت في المصادر التاريخية تسميات متعددة لهذا النوع من المنشآت، من بينها المناظر والطلائع والأبراج والحصون، فيما يدل لفظ “المرقب” على الموضع الذي تتم منه المراقبة.
وامتدت وظائف المراقب إلى متابعة ما يحيط بالتجمعات السكانية في أوقات السلم، إلى جانب كشف تحركات الخصوم في أزمنة الحرب؛ فكان الحراس يواصلون المراقبة بعد إغلاق أبواب المدن مساءً، ويشعلون النيران للتحذير من اقتراب الخطر. وبعد توحيد المملكة واستتباب الأمن، ارتبط مرقب منيخ بمتابعة القوافل التجارية، والسيول، والماشية، والمسافرين.
وعلى جبل منيخ لم تعمل القمة ومرقبها وحدهما في حماية البلدة، بل تكاملت معها تحصينات معمارية صممت بعناية؛ إذ ارتبط المرقب بسور يمر بالجبل ويضم ثلاثة أبراج للمراقبة والدفاع، في مشهد يكشف كيف طوّع البناء النجدي تضاريس الموقع لخدمة أغراضه الأمنية، وكان هذا الجزء من التحصينات ضمن منظومة السور القديم الذي أحاط بالمجمعة، قبل أن تختفي أجزاء منه وعدد من بواباته وأبراجه مع الامتداد العمراني الحديث.
وتظهر في بناء سور منيخ خبرة دفاعية لافتة؛ فقد شُيّد الجزء المار بالجبل من الحجر، وأقيم على الحافة العليا للربوة بما يجعل تسلقه أكثر صعوبة، فيما جاءت قاعدته أكثر سماكة وأخذت تضيق كلما ارتفع البناء، واتبع السور انحناءات حافة الجبل مستفيدًا من تضاريسه الطبيعية، ووزعت فتحات الرماية والمراقبة في مواضع تتيح للحارس رؤية السور والمنطقة الواقعة أسفله.
ويتكون البرج الرئيس القائم على القمة من برجين أسطوانيين، أحدهما داخل الآخر، ليقدم نموذجًا أكثر تعقيدًا للعمارة الدفاعية النجدية، وتشير الدراسة المعمارية إلى أن البرج الداخلي بُني أولًا، ثم أُضيف إليه البرج الخارجي. ويبلغ ارتفاع المرقب نحو 12 مترًا، ويتناقص محيطه تدريجيًا باتجاه القمة، وقد شُيّد مباشرة على سطح الجبل، باستخدام الحجر في جزئه السفلي، والطوب اللبن في بقية البناء.
وتتوزع في جسم البرج “المزاغل”، وهي فتحات خصصت للمراقبة والرماية، وجاءت بأشكال وأحجام مختلفة، واحتوى المرقب على خمس “طُرَم”، وهي عناصر معمارية بارزة تتيح للحارس مراقبة ما يقع أسفل البرج والدفاع عنه عند وصول المهاجمين إلى محيطه، خُصصت أربع منها لحماية جوانب البرج، فيما وضعت الخامسة فوق المدخل لحمايته.
وجمع البناء المتطلبات الدفاعية والعناصر الجمالية؛ إذ تُوّجت ذروة المرقب بالشرفات النجدية، واستُخدمت عروق الأثل وفروعه في الأسقف والأبواب، إلى جانب الحجر والطين واللبن، بما يبرز الاعتماد على المواد المتاحة في البيئة المحلية.
ومع مرور الزمن، انتقلت وظيفة منيخ من حماية المدينة إلى حماية ذاكرتها؛ إذ أصبح شاهدًا حيًا على حقب وأحداث تاريخية شهدتها المجمعة.
وخلال السنوات الماضية شهد موقع المرقب ومحيطه أعمال توثيق وترميم وتطوير، شملت المرقب وأجزاء السور المحيط به وأبراجه، وإعادة بناء الأجزاء التي تهدمت بمرور الزمن، وتهيئة سطح الجبل للزيارة، وإنشاء سلم وطريق حجري، وإضاءة المنطقة، وتركيب اللوحات الإرشادية، إلى جانب توثيق الموقع فوتوغرافيًا ومعماريًا.
واليوم، تواصل هيئة التراث العناية بمرقب منيخ وتفعيل حضوره بوصفه أحد المواقع التراثية في محافظة المجمعة، وتشغّل في الموقع “مركز زوار التراث الثقافي”، الذي يقدم تجربة ثقافية وتاريخية للتعريف بتاريخ المحافظة وجبل منيخ والمرقب وأهميتهما التاريخية، من خلال أربع محطات تفاعلية ووسائل عرض متنوعة تشمل اللوحات التعريفية والشاشات التفاعلية والأفلام الوثائقية، إلى جانب مرشدين ومرشدات مؤهلين، فيما يقدم المركز محتواه باللغتين العربية والإنجليزية، بما يتيح للزائر قراءة الموقع وفهم امتداده التاريخي ضمن سياقه المحلي.
وتؤكد هيئة التراث أن هذا الإرث الوطني يستوجب العناية به والمحافظة عليه، وفي إطار ذلك أنشأت الهيئة مركزًا للزوار بمرقب جبل منيخ ليكون بوابة تعريفية ومنصة ثقافية متكاملة تُعرف بعمق تاريخ المحافظة وأصالته، وكذلك العناية بأعمال الصيانة والنظافة بالموقع، إلى جانب تنظيم عدد من الفعاليات والبرامج التراثية، ليغدو مرقب منيخ اليوم من الوجهات السياحية في المجمعة التي يقصدها الزوار على مدار العام، وقد تبدلت وظيفته من موقع يراقب ما يقترب من المدينة إلى معلم يروي لزائريها شيئًا من تاريخها.
ومن عين كانت ترقب الطريق وتحذر من القادم، أصبح منيخ في وقتنا عينًا يطل منها الحاضر على ماضي المجمعة، شاهدًا على مرحلة صنعت فيها الجغرافيا والعمارة معًا منظومة لحماية البلدة، وبقي فيها الحجر والطين يرويان بعد تبدل الأدوار قصة مكان لم يغب عن تاريخ المدينة.

ماجد السبيعي

كاتب في صحيفة عين الإخبارية، يقدم محتوى إخبارياً ومقالات تواكب أبرز القضايا والموضوعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *