تجاوز إلى المحتوى

المها العربي.. من الانقراض في البرية إلى نموذج سعودي ناجح في استعادة الأنواع

دلال الصالح 3 دقائق قراءة

على مدى أربعة عقود، خاضت المملكة رحلة طويلة ناجحة لاستعادة المها العربي وإعادته إلى موائله التاريخية، بعد أن اختفى النوع من البرية في سبعينيات القرن الماضي.
هذه التجربة الوطنية وثقّتها المنصة الدولية لتبادل حلول المحافظة على الطبيعة (PANORAMA)، التي استعرضت مسار المملكة في استعادة هذا النوع، والجهود التي قادها المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية عبر برامج الإكثار لأغراض المحافظة، وإعادة التوطين، والمحافظة على الموائل، والرصد والإدارة بعد الإطلاق.
وشكّل عام 2011 محطة فارقة في المسار العالمي لاستعادة المها العربي، حين انتقل تصنيفه على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة (IUCN) من مهدد بالانقراض (EN) إلى معرّض للخطر (VU)، ليصبح أول نوع سبق تصنيفه منقرضًا في البرية (EW) ليحقق تحسنًا بثلاث فئات كاملة على القائمة الحمراء، ضمن جهود المركز المتواصلة بالتعاون مع منظومة الشركاء لإخراج المها العربي من دائرة التهديد.
وفي المملكة، تواصلت الجهود لتعزيز الجماعات البرية واستدامتها وتوسيع نطاق انتشارها ضمن الموائل التاريخية للنوع، وتشير بيانات المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية في عام 2026 إلى وجود نحو 3,064 فردًا من المها العربي في 11 موقعًا في البرية، مع اتجاه أعداد القطعان إلى الزيادة.
وتختصر النتائج مسارًا وطنيًا طويلًا بدأ بإنقاذ النوع، وتطور إلى بناء جماعات برية قادرة على التكاثر والاستمرار، وتقديم تجربة سعودية متقدمة في استعادة الأنواع تقوم على العلم والإدارة والإكثار وإعادة التوطين والرصد طويل المدى.
وتكاتفت الجهود لاستعادة نوع متوطن في شبه الجزيرة العربية فقط، ما جعله رمزًا للصحراء العربية وجزءًا من هويتها وثقافة مجتمعاتها، إضافة لكونه نوعًا رئيسًا له أهمية جوهرية في صحة النظم البيئية الصحراوية من خلال دوره في نشر البذور وتقليم الأشجار وازدهار الغطاء النباتي، وتشكل استعادته دافعًا لاستقرار النظم والأنواع وازدهارها.
وتعود البدايات الدولية لإنقاذ المها العربي إلى مطلع الستينيات، حين أطلق الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة IUCN بالتعاون مع الصندوق الدولي للحياة الفطرية عملية المها (Operation Oryx)؛ بهدف تأسيس قطيع للإكثار والمحافظة على النوع، في وقت كانت فيه أعداده البرية تتراجع بصورة متسارعة.
وشاركت المملكة في تلك الجهود المبكرة، ثم انتقلت لاحقًا إلى بناء برنامج وطني متكامل، مع انطلاق برنامج منظم لإكثار المها العربي عام 1986، لتبدأ مرحلة جديدة مهدت لإعادة النوع إلى البرية.
وفي عام 1989 بدأت أولى خطوات إعادة توطين المها العربي في محمية الإمام سعود بن عبدالعزيز الملكية (محازة الصيد سابقًا)، وتبعتها عمليات الإطلاق وتأسيس القطعان البرية، ثم توسعت برامج إعادة التوطين لتشمل محمية عروق بني معارض عام 1995، وصولًا إلى مواقع أخرى ضمن نطاق الانتشار التاريخي للنوع في المملكة.
وتبرز قيمة التجربة في المنهج العلمي الذي حكم عمليات إعادة التوطين, فقبل كل عملية إطلاق، يجري تقييم ملاءمة الموائل، ومستوى المحافظة عليها، وقدرتها الاستيعابية، والإمكانات التشغيلية اللازمة لإدارة الجماعات ومتابعتها، بمشاركة المجتمعات المحلية.
كما تُختار الحيوانات المؤسسة وفق اعتبارات صحية ووراثية وسلوكية، بما يعزز فرص تأسيس قطعان سليمة وقابلة للاستمرار, ومن هنا برز أحد أهم مفاتيح التجربة السعودية: إعادة التوطين.. عملية استعادة ممتدة، تبدأ قبل الإطلاق وتستمر بعده.
وتأتي نجاح تجربة إعادة المها العربي إلى موائله التاريخية، حصيلة تطبيق متواصل ومنسق لمجموعة من التدابير على مدى عقود، تسارعت وتيرتها بعد إطلاق رؤية السعودية 2030، ومبادرة السعودية الخضراء التي كان من أهم مستهدفاتها التوسع في المناطق المحمية للوصول إلى حماية 30% من مساحة المملكة البرية والبحرية، إضافة إلى تأسيس نظام البيئة ولوائحه التنفيذية، والقوات الخاصة للأمن البيئي، لتتحوّل أعمال المحافظة في المملكة إلى منظومة متكاملة من الأعمال التنظيمية والتشريعية.
وقد وفرت برامج الإكثار أفرادًا مناسبة لتأسيس الجماعات الجديدة، وهيأت المناطق المحمية موائل قادرة على احتضانها، وأسهمت الأنظمة وإنفاذها في الحد من التهديدات، فيما أتاحت عمليات إعادة التوطين المرحلية تأسيس جماعات جديدة وتوسيع نطاق انتشار النوع.
وفي الوقت نفسه، وفر الرصد المستمر البيانات اللازمة لفهم تحركات الحيوانات وحالتها والتغيرات التي تطرأ على الجماعات، وساعد على اكتشاف المخاطر والاستجابة لها مبكرًا.
وبهذا التكامل، تحولت عملية استعادة المها من سلسلة من عمليات الإطلاق إلى منظومة متكاملة لاستعادة النوع وإدارة وجوده في البرية.
وتجاوز أثر برنامج استعادة المها العربي النوع نفسه، وأسهمت التجربة الممتدة في بناء خبرات وطنية في مجالات متعددة؛ من الإكثار لأغراض المحافظة وإدارة المناطق المحمية، إلى الرعاية البيطرية والرصد والبحوث التطبيقية، وتطوير قدرات الجوّالين والكوادر الفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية بالإكثار والإطلاق والمتابعة والإدارة طويلة المدى، وصولًا إلى بناء مستقبل أكثر استدامة للتنوع الأحيائي في المملكة.

دلال الصالح

كاتب في صحيفة عين الإخبارية، يقدم محتوى إخبارياً ومقالات تواكب أبرز القضايا والموضوعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *