تجاوز إلى المحتوى

الهايكنق.. سياحة على خطى جبال الطائف

نورة الشهري 3 دقائق قراءة

بين قمم الشفا وأعماق الشعاب، يجد محبو الهايكنق في الطائف فضاءً مفتوحًا للمشي والاستكشاف، تتعاقب خلاله الإطلالات من أشجار العرعر المعمرة إلى النباتات العطرية والتكوينات الصخرية، قبل أن تقود الخطوات إلى نقاط شاهقة يترقب عندها المشاركون لحظة الغروب وهي تلقي بظلالها على امتداد جبال السروات.
وتمنح تضاريس المحافظة هذه الرياضة طابعًا متجددًا؛ فالصعود نحو القمم يختلف عن السير بمحاذاة السفوح، وعبور الممرات الضيقة يقود إلى مشاهد مغايرة لما تكشفه بطون الأودية، لتصبح الرحلة سلسلة من التحولات الجغرافية التي تجمع النشاط البدني بمتعة الوصول إلى مواقع بعيدة عن الطرق المعتادة.
وتبرز الشفا بمقوماتها البيئية بوصفها إحدى المحطات المفضلة لهواة هذا النشاط، حيث تنتشر أشجار العرعر والطلح والنباتات البرية ذات الروائح العطرية، وتتخلل صخورها ممرات قديمة صنعتها طبيعة الأرض واستخدمها السكان على مر السنين، فيما تمنح الأجواء المعتدلة والضباب والسحب في أوقاتها ملامح مختلفة للمشهد.
ولا تقف الرحلة عند حدود التضاريس؛ إذ تتحول خطوات المشاركين إلى نافذة للتعرف على ثقافة المكان وتاريخه، من خلال ما يمرون به من قرى ومزارع ومدرجات زراعية ومبانٍ حجرية وطرق قديمة، وما يصاحبها من حكايات ارتبطت بحياة السكان وتنقلهم بين الجبال والأودية، وأساليبهم في الزراعة والاستفادة من موارد البيئة المحلية.
وفي بعض المواقع، تكشف الرحلات عن ملامح العمارة الجبلية التي استخدمت الحجر المتوافر في البيئة، إلى جانب أنماط الزراعة التي تشكلت على المدرجات والسفوح، والأشجار التي ارتبطت بمعيشة الأهالي، لتضيف هذه التفاصيل بعدًا معرفيًا يجعل الهايكنق وسيلة لقراءة العلاقة القديمة بين الإنسان والأرض، وليس نشاطًا رياضيًا فحسب.
وتتجه مجموعات المشي كذلك إلى وادي ذي غزال ووادي خماس وعدد من المواقع المحيطة، لتقطع مسافات متفاوتة بمحاذاة المجاري وبين المنحدرات، وسط تنوع بصري يتغير مع الارتفاع والوقت، فيما تشكل الاستراحات فرصة للتصوير ورصد الغطاء النباتي والاستماع إلى القصص المرتبطة بالمواقع التي يعبرها المشاركون.
وأوضح مرشد رياضة الهايكنق الكابتن عادل فيرق، في حديثه لـ”واس”، أن الطائف تتميز بتعدد الخيارات أمام الممارسين، فالرحلة قد تبدأ من وادٍ ثم تعبر شِعبًا وتنتهي عند إطلالة مرتفعة، مشيرًا إلى أن هذا الاختلاف يمنح كل مسار شخصيته الخاصة، ويتيح للمشارك التعرف على مكونات بيئية وتاريخية واجتماعية لا تظهر تفاصيلها إلا عند السير داخلها.
وأضاف أن التعرف على تاريخ المواقع وأسمائها وما ارتبط بها من قصص وعادات يمثل جزءًا مهمًا من الرحلات، إذ يحرص المرشدون على تعريف المشاركين بما يشاهدونه من قرى قديمة ومزارع وأشجار وطرق استخدمها الأهالي سابقًا، الأمر الذي يحول ساعات المشي إلى تجربة تجمع المعرفة بالرياضة والتواصل مع الإرث المحلي.
وبيّن فيرق أن اختيار المسار يعتمد على قدرات المشاركين وطوله ودرجة صعوبته والظروف الجوية، مع ضرورة التجهيز الجيد والالتزام بتعليمات السلامة، واحترام خصوصية المواقع، وعدم العبث بالنباتات أو ترك المخلفات، للمحافظة على البيئة وما تحمله من قيمة طبيعية وتاريخية.
وعند اقتراب المساء، تأخذ الرحلة إيقاعًا أكثر هدوءًا، إذ يقف المشاركون على إحدى الإطلالات لمراقبة قرص الشمس وهو يغيب خلف الجبال، لتختتم ساعات من المشي حملت معها الرياضة والمعرفة والتأمل؛ في تجربة تكشف الطائف من الداخل، وتروي عبر كل خطوة جانبًا من طبيعتها وثقافتها وذاكرة أرضها.

نورة الشهري

كاتب في صحيفة عين الإخبارية، يقدم محتوى إخبارياً ومقالات تواكب أبرز القضايا والموضوعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *