ترسم غابات المانجروف على امتداد الشريط الساحلي لمحافظة رابغ، مشهدًا طبيعيًّا تتداخل فيه الخضرة مع زرقة البحر الأحمر، لتشكّل منظومة بيئية متكاملة تؤدي أدوارًا حيوية في حماية السواحل، وإثراء التنوع الأحيائي، وتعزيز استدامة الموارد البحرية.
وتُعرف أشجار المانجروف محليًا بـ”الشورى”، وهي من النباتات الساحلية القادرة على النمو في البيئات شديدة الملوحة والتربة الطينية المشبعة بالمياه، مستفيدةً من تكوينها الفطري الذي يمكّن جذورها الهوائية من التنفس والتكيف مع حركة المد والجزر، في صورة تجسّد قدرة الطبيعة على بناء الحياة في أكثر البيئات تحديًا.
وتحتضن سواحل رابغ تجمعات من هذه الأشجار دائمة الخضرة، التي تحوّلت بجذورها المتشابكة إلى حضانات طبيعية لصغار الأسماك والقشريات والكائنات البحرية، وموائل آمنة لعدد من الطيور الساحلية والمهاجرة، ما يرفع القيمة البيئية للموقع، ويدعم استدامة الثروة السمكية وسلاسل الغذاء البحرية.
ولا تقتصر أهمية المانجروف على جانبها الأحيائي، إذ تعمل جذورها الكثيفة بوصفها حاجزًا طبيعيًا يخفف تأثير الأمواج والتيارات البحرية، ويساعد على تثبيت التربة والحد من تآكل الشواطئ، إلى جانب قدرتها على احتجاز الرواسب وتنقية المياه الساحلية من بعض الملوثات، بما يحافظ على جودة البيئة البحرية.
وتمثّل هذه الغابات أحد أبرز أنظمة “الكربون الأزرق”، لقدرتها على امتصاص ثاني أكسيد الكربون وتخزينه داخل الكتلة النباتية والتربة الساحلية لفترات طويلة، الأمر الذي يمنحها قيمة إستراتيجية في مواجهة آثار التغير المناخي، ويفتح أمامها فرصًا واعدة ضمن اقتصاد الاستدامة وأسواق الائتمان الكربوني.
وتعزز محافظة رابغ هذا الرصيد الطبيعي بمبادرات للتوسع في زراعة المانجروف وتنمية الغطاء النباتي الساحلي، من أبرزها مبادرة زراعة 400 ألف شجرة مانجروف ذكية، التي دُشنت بالشراكة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، مستهدفةً قياس الأثر البيئي وتعزيز امتصاص الكربون، بما يدعم مستهدفات مبادرة “السعودية الخضراء”، والتوجه الوطني نحو الحياد الصفري.
وفي ظل ما تشهده سواحل البحر الأحمر من مشروعات تنموية نوعية، تبرز أهمية المواءمة بين الاستثمار وحماية البيئة، عبر مراقبة جودة المياه، ومنع الردم والتلوث والاحتطاب، وتنظيم الحركة البحرية قرب مواقع النمو، وإشراك المجتمع المحلي والمتطوعين في أعمال التشجير والرصد البيئي.
وتجسّد غابات المانجروف في رابغ نموذجًا حيًّا للحلول القائمة على الطبيعة، وتعد درعًا أخضر للساحل، وحاضنة للكائنات البحرية، ومستودعًا للكربون، ورافدًا للسياحة البيئية والاقتصاد الأزرق، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في حماية الموارد الطبيعية، وتنمية الغطاء النباتي، وبناء مستقبل أكثر استدامة للأجيال المقبلة.
بيئي
عرض الكلغابات المانجروف في رابغ.. ثروة تحمي السواحل وتستثمر في مستقبل “الكربون الأزرق”
