تستعيد جزر فرسان هذه الأيام أحد أكثر مواسمها ارتباطًا بالإنسان والأرض، حين تتدلى عذوق النخيل بالرطب إيذانًا بانطلاق موسم “العاصف”، الذي لا يمثل مجرد موعد للحصاد، بل مناسبة تتجدد فيها ملامح الموروث الزراعي، وتنبض خلالها القرى بحركة الأهالي والزوار، في مشهد يعكس مكانة النخلة بوصفها جزءًا أصيلًا من هوية فرسان وثقافتها.
ويرتبط موسم جني التمور في محافظة جزر فرسان بمسمى “العاصف”، وهو اسم استمده من الرياح الشمالية الغربية التي تهب على الجزر خلال هذه الفترة من السنة، وظل هذا المسمى متداولًا عبر الأجيال، ليصبح عنوانًا لموسم يجمع النشاط الزراعي والموروث الاجتماعي، ويعكس ارتباط الإنسان في فرسان بإيقاع الطبيعة وتحولاتها الموسمية.
ويشهد الموسم انطلاق أعمال جني الرطب في المزارع المنتشرة بالقرى الرئيسة، التي تشمل “القصار، والمحرق، والسقيد، وختب، وخولة”، حيث يزيد عدد أشجار النخيل على (10) آلاف نخلة، تنتج سنويًا كميات وفيرة من الرطب والتمر، لتسهم في دعم الاقتصاد المحلي، والمحافظة على الإرث الزراعي الذي توارثته الأجيال.
وتبرز قرية “السقيد” بوصفها أكبر تجمع لمزارع النخيل في فرسان، إذ تحتضن نحو (200) مزرعة، ويبلغ إنتاجها السنوي قرابة ألفي طن من الرطب والتمر، ما يجعلها إحدى الركائز الزراعية المهمة في المحافظة، ومقصدًا للمهتمين بالمنتجات المحلية خلال موسم الحصاد.
ولا تقتصر أهمية الموسم على وفرة الإنتاج، بل يمتد أثره إلى تنشيط الحركة الاقتصادية، من خلال تسويق الرطب والتمر ومنتجاتهما، ودعم الأسر المنتجة، وتعزيز الأنشطة التجارية المرتبطة بالموسم، بما يرسخ مساهمة القطاع الزراعي في الاقتصاد المحلي.
ويحمل موسم “العاصف” بُعدًا اجتماعيًا وتراثيًا متجذرًا في المجتمع الفرساني، إذ يجتمع الأهالي في المزارع للمشاركة في جني الثمار وتبادل المنتجات المحلية، في مشاهد تعكس قيم التعاون والتكافل، وتحافظ على الممارسات الزراعية التقليدية التي ارتبطت بالنخيل عبر عقود طويلة.
ويعكس استمرار هذا الموسم ما تتمتع به الجزر من مقومات زراعية وبيئية، إلى جانب جهود المحافظة على موروثها الزراعي، بما يسهم في تعزيز السياحة الريفية، وإبراز النخيل بوصفه أحد الرموز الحضارية التي تجمع القيمة الاقتصادية والبعد الثقافي، وتؤكد استدامة العلاقة بين الإنسان وأرضه في أرخبيل فرسان.
