حج

عرض الكل

“زُبالا”.. ذاكرة الحج وملتقى القوافل والتجارة عبر العصور شمال المملكة

🗓 مايو 12, 2026 ⏱ 1 دقيقة قراءة

تُعد قرية “زبالا” التاريخية والأثرية إحدى المحطات الرئيسة في المشهد الحضاري لشبه الجزيرة العربية عبر العصور، لما مثّلته من ملتقى حيوي للقوافل والحجاج والتجارة، عبر درب القوافل التاريخي “درب زبيدة”، الذي ربط بلاد العراق وبعض أجزاء بلاد الشام بمكة المكرمة، والواقعة على بعد (25) كم جنوب محافظة رفحاء بمنطقة الحدود الشمالية.
وتختزن القرية إرثًا إنسانيًا وماديًا وطبيعيًا تعكس تحولات تاريخية متعاقبة منذ ما قبل الإسلام وحتى صدره، ويؤكد مكانتها كمحطةٍ محورية في مسارات التجارة والحج عبر العصور.
وتُصنّف “زُبالا” ضمن أهم القرى التاريخية والأثرية في المنطقة، إذ تشير الدراسات الأثرية إلى أن تاريخها يمتد أكثر من (4,000) عام، واحتضانها لمنظومة مائية متكاملة تضم أكثر من (350) بئرًا وبركةً كبيرةً وصغيرة، ما يدل على استقرارٍ بشريّ طويل الأمد وقدرةٍ عالية على التكيّف مع البيئة الصحراوية.
وشهدت ذروة ازدهارها خلال العصر العباسي، حيث كانت تضم سوقًا من أسواق العرب، وتُعدّ ملتقىً للقوافل التجارية والحجاج، فضلًا عن كونها إحدى أهم المنازل الرئيسة على درب زبيدة الشهير، الذي ربط العراق بالحرمين الشريفين، وأسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتبادل الثقافي بين حواضر العالم الإسلامي.
وذكر المؤرخون بأن “زُبالا” كانت مدينةً مسوّرة، تضم منشآت سكنية تعود إلى القرون الإسلامية الأولى (الأول والثاني والثالث الهجري)، وتبدو في تخطيطها العمراني مدينةً كبيرة متكاملة العناصر، ما يجعلها من أبرز المواقع الأثرية ذات القيمة التاريخية في المنطقة.
وخضع موقع “زُبالا” لتنقيبات أثرية منهجية منذ عام 2015م، أسفرت عن اكتشافاتٍ متعددة، من أبرزها مسجد مستطيل الشكل، إضافة إلى معالم واضحة لعدد من التنانير (أفران الخبز) المستخدمة في طهي الطعام خلال العصور القديمة، حيث كُشف عن سبعة تنانير متقاربة في موضعٍ واحد، ما يعكس نمطًا معيشيًا منظمًا ومستقرًا.
كما عُثر على مجموعةٍ من اللقى الأثرية المتنوعة، شملت الفخار والخزف والحجر الصابوني، وأدوات دقيقة الصنع من المعادن والزجاج، وتُشير أساليب صناعتها وزخارفها إلى مهارة الحرفيين القدماء، ووجود علاقات تجارية وتفاعل حضاري بين زُبالا ومحيطها من حواضر العالم الإسلامي.
وتُبرز هذه المكتشفات أن الموقع يمثّل مستوطنةً بشرية متوارثة عبر العصور، وسجلًا تاريخيًا متكامل الأركان يوثّق تفاصيل الحياة اليومية في صدر الإسلام، ويعكس عمقًا معماريًا واجتماعيًا واقتصاديًا لمنطقة الحدود الشمالية، حيث كانت الأدوات المكتشفة جزءًا من نمط حياةٍ دقيق التنظيم ومتوازن الموارد.
ويُرجع الباحثون اسم “زُبالا” إلى مؤسسها “زُبالة بن الحارث”، وقد ورد ذكرها في الشعر العربي، ومنه شعر الأخطل، كما وثّقتها مصادر تاريخية وجغرافية عدة، من بينها: (معجم البلدا)، و(معجم ما استعجم)، و(مدخل إلى الآثار الإسلامية)، وتناولها المؤرخ السعودي حمد الجاسر في كتابه (المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية)، كما أفرد لها الدكتور سعد الراشد مساحةً مهمة في رسالته للدكتوراه حول درب زبيدة.
وتمثل زبالا والمواقع التاريخية والأثرية في شمال المملكة رصيدًا حضاريًا واعدًا، يتيح تحويل إرثها التاريخي إلى مورد تنموي وسياحي مستدام، عبر تطويرها برؤية عصرية تعزز قيمتها التراثية والثقافية والاقتصادية، من خلال حماية المواقع الأثرية، وتطوير البنية التحتية السياحية بما يراعي البيئة، ودعم البحث الأثري، وتنظيم مسارات وجولات تراثية تستحضر تاريخ القوافل والحجاج الذين عبروا تلك المنطقة عبر العصور.


🏷 حج 🔖