تعبر سماء منطقة جازان أسرابٌ من الطيور المهاجرة، في مشهدٍ يعكس موقع المنطقة ضمن أحد المسارات الرئيسة لهجرة الطيور على امتداد البحر الأحمر، الرابط بين مناطق التعشيش في أوروبا وغرب آسيا، ومواقع التشتية في أفريقيا.
وتشكل جازان نقطة عبور وارتكاز بيئي في الرحلة السنوية للطيور المهاجرة، بما تمتلكه من تنوع طبيعي يجمع السواحل والجزر والأودية والمرتفعات، ويوفر للطيور الماء والغذاء والغطاء النباتي، وفرص الراحة واستعادة الطاقة قبل مواصلة مسارها.
ويمتد هذا التنوع من السهول الزراعية إلى السواحل البحرية، مرورًا ببحيرات السدود في وادي جازان ووادي بيش، ووادي لجب وجبال بني مالك، في بيئاتٍ طبيعية تسهم في دعم التنوع الحيوي وتعزيز استدامته.
وفي قراءة علمية لهذا المشهد، يوضح عضو هيئة التدريس بقسم الأحياء في كلية العلوم بجامعة جازان الدكتور زراق الفيفي، أن منطقة جازان تُعد إحدى المحطات العالمية المسجّلة لهبوط الطيور المهاجرة، خاصة على مسار (غرب آسيا – شرق أفريقيا) الممتد على طول البحر الأحمر، حيث تستقبل ملايين الطيور خلال الفترة من مارس إلى أكتوبر.
ويبيّن أن هذا الثراء البيئي يتجلّى في تنوّع الموائل الطبيعية، إذ تُعد محمية جزر فرسان موقعًا شتويًا رئيسًا يستضيف أكثر من (10) آلاف طائر مائي تمثل نحو (45) نوعًا، من بينها أعداد كبيرة من طيور الفلامنجو خلال فصل الشتاء، مشيرًا إلى أن السواحل الممتدة من البرك بمنطقة عسير مرورًا بالشقيق وحتى المضايا بمنطقة جازان، بما تضمه من غابات المانجروف، تمثل بيئاتٍ مثالية للطيور الشاطئية والنوارس واللقلق والطيور الجارحة خلال موسمي الربيع والخريف.
ويضيف أن الأودية والجبال، مثل وادي الدِّحن ووادي لجب وجبال بني مالك، تشكّل ممرات طبيعية حيوية تستخدمها الطيور للتعشيش والراحة والتكاثر، مستفيدةً من تنوّع التضاريس واعتدال المناخ وتوفر الموارد الطبيعية.
ويعكس التوقيت الموسمي للهجرة ديناميكية هذا المشهد، بحسب الدكتور الفيفي، حيث تشهد فترتا الربيع والخريف، (من مارس حتى أكتوبر)، عبورًا كثيفًا للطيور، خاصة الجارحة والسمان، فيما يشهد الشتاء، (من نوفمبر حتى فبراير)، تدفقًا كبيرًا للطيور المائية والنوارس التي تتخذ من سواحل جازان موطنًا مؤقتًا.
ويكشف عن رصد العديد من أنواع الطيور في المنطقة ضمن أنماط مختلفة تشمل الطيور المقيمة والمستوطنة والمهاجرة والزائرة، في مؤشر يجسد غنى البيئة الطبيعية في جازان وقدرتها على احتضان هذا التنوع، ومن أبرزها اللقلق الأسود، والزقزاق أسود الجناح، ونورس قزوين، والفلامنجو الكبير، إلى جانب أنواع من النسور مثل النسر ذي الريش ونسر بونلي.
ولا يقتصر حضور الطيور المهاجرة على بُعده البيئي، بل يمتد إلى أبعادٍ معرفية وثقافية، إذ تحوّلت مواسم الهجرة إلى مجالٍ جاذب لهواة الطبيعة والمصورين، الذين يسهمون في توثيق هذا التنوع وتقديمه بوصفه جزءًا من هوية المكان وثرائه الطبيعي.
ومع تزايد التحديات البيئية عالميًا، تبرز أهمية الحفاظ على مسارات الهجرة وموائل الطيور، بوصفها عنصرًا أساسيًا في استدامة النظم البيئية، وضمان استمرار التوازن الحيوي الذي تمثله هذه الرحلات الموسمية عبر القارات.
وتؤكد جازان، بما تمتلكه من موقع جغرافي وثراء بيئي وتنوع في الموائل، حضور المملكة ضمن الجهود المعنية بحماية التنوع الحيوي، وصون البيئات الطبيعية التي تعتمد عليها الطيور المهاجرة في رحلاتها السنوية.
بيئي
عرض الكلجازان.. محطة للطيور المهاجرة على مسار البحر الأحمر
