في جازان لا تبدأ الحكايات من الطرقات ولا تنتهي عند البحر بل تمرّ حتمًا عبر فنجان قهوة هنا أو هناك، حيث للكافيهات معنى يتجاوز الجدران والطاولات ليكون مساحة للذاكرة، ومرآة لتحوّلات المكان، ونبضًا حيًّا يروي قصة الإنسان مع الزمن.
في الأمس القريب، لم تكن الكافيهات بالشكل الذي نعرفه اليوم كانت الجلسات بسيطة، تُقام أمام البيوت أو في زوايا الأسواق الشعبية، حيث تُقدَّم القهوة العربية بحب، ويتبادل الرجال أطراف الحديث تحت ظلال المساء، لم تكن هناك لافتات لامعة أو قوائم طويلة، بل كان كل شيء عفويًا صادقًا يشبه روح جازان.
كانت القهوة آنذاك طقسًا اجتماعيًا أكثر منها مشروبًا، تُسكب في فناجين صغيرة، وتُقدَّم مع التمر، وتُرافقها حكايات لا تنتهي في تلك المجالس، وُلدت صداقات، وحُلّت خلافات، وسُردت قصصٌ أصبحت جزءًا من ذاكرة المكان.
واليوم جاء الحاضر وتغيّر المشهد، فانتشرت الكافيهات الحديثة في شوارع جازان، بتصاميم عصرية ولمسات جمالية تجذب الشباب والعائلات واجهات زجاجية، وقوائم مليئة بالمشروبات العالمية لم تعد القهوة فقط عربية، بل أصبحت لغات متعددة وتجارب تُقدَّم بأسلوب حديث يواكب العالم.
ومع هذا التحوّل، لم تفقد جازان روحها فالكثير من الكافيهات الحديثة تحاول أن تمزج بين الأصالة والمعاصرة، فتُزيّن جدرانها بلمسات تراثية، وتُعيد تقديم القهوة العربية بروح جديدة، وكأنها تقول: نحن نتطوّر لكننا لا ننسى.
الكافيه في جازان اليوم لم يعد مكانًا لشرب القهوة فقط، بل مساحة للقاء، والعمل، والدراسة، والتأمل، يجتمع فيه الأصدقاء، ويجلس فيه الشغوفون بأحلامهم، وتُكتب فيه بدايات كثيرة بصمتٍ جميل.
ورغم اختلاف الزمن، يبقى الجوهر واحدًا، القهوة في جازان ليست مذاقًا بل شعور بالدفء، والانتماء، واللحظة التي تستحق أن تُعاش ببطء، وبين الماضي والحاضر تغيّرت الكراسي، وتبدّلت الأكواب، لكن بقيت القهوة في جازان حكاية لا تنتهي.
