حين تتحول الأراضي المتدهورة إلى مساحات خضراء نابضة بالحياة، يتجلى أثر الإرادة والرؤية بعيدة المدى، هكذا تمضي المملكة في مسيرتها لإعادة الحياة إلى مساحات واسعة من أراضيها التي تأثرت بعوامل طبيعية وبشرية عبر العقود الماضية، مستعيدةً توازنها البيئي ومجددةً نبضها الأخضر بما يحفظ التنوع الأحيائي، ويعزز استدامة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
وفي هذا السياق، أعلن معالي وزير البيئة والمياه والزراعة المهندس عبدالرحمن بن عبدالمحسن الفضلي، تحقيق إنجاز بيئي وطني يتمثل في الوصول إلى إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي، في خطوة تعكس التحول المتسارع الذي يشهده القطاع البيئي في المملكة لتحقيق مستهدفات مبادرة السعودية الخضراء.
وتحقق هذا الإنجاز نتيجة التكامل والتعاون الوثيق بين مختلف القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، حيث أسهمت هذه الشراكات في توحيد الجهود، وتبادل الخبرات، وتكامل الموارد لتنفيذ مشاريع التشجير، وإعادة تأهيل الأراضي في مختلف مناطق المملكة، ما يعكس نموذجًا وطنيًّا فاعلًا للعمل المشترك في المجال البيئي، من خلال مشاركة جميع القطاعات ومساهمتها الفاعلة في حماية الموارد الطبيعية وتنميتها.
وشهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة حراكًا بيئيًّا متناميًّا ونقلة نوعية في حماية الموارد الطبيعية وتنميتها، حيث تبنت نهجًا متكاملًا يقوم على الاستدامة والابتكار، وتعزيز الشراكات بين القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية.
وأسهم هذا التوجه في إطلاق وتنفيذ العديد من المبادرات والمشاريع التي تستهدف تنمية الغطاء النباتي، واستعادة النظم البيئية، وتعزيز التوازن البيئي في مختلف مناطق المملكة، ونتيجة لهذه الجهود المشتركة، تمكنت المملكة من إعادة تأهيل مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، وزراعة ما يزيد على 159 مليون شجرة، في خطوة تعكس حجم العمل المتكامل الذي تشهده المنظومة البيئية.
ويقف البرنامج الوطني للتشجير في مقدمة الجهود الوطنية لتنمية الغطاء النباتي، بوصفه الذراع التنفيذية للمخطط الإستراتيجي لمبادرة السعودية الخضراء في مجال التشجير وإعادة تأهيل الأراضي.
ويقود البرنامج تنفيذ مستهدفات طموحة تشمل إعادة تأهيل 40 مليون هكتار، وزراعة 10 مليارات شجرة، عبر منظومة عمل تضم 11 منطقة عمل و155 مبادرة، ويرتكز البرنامج على عدة محاور رئيسة، من أبرزها تعزيز الشراكات المؤسسية، وتطوير آليات الرصد والتحقق، وتقديم الدعم الفني، إضافة إلى نشر الوعي البيئي وتنفيذ المبادرات المجتمعية.
كما يعمل البرنامج الوطني للتشجير بالتكامل مع المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر وعدد من الشركاء من مختلف القطاعات على تطبيق أفضل الممارسات العلمية والفنية في تنفيذ مشاريع التشجير وإعادة التأهيل، مع التركيز على النباتات المحلية التي تتلاءم مع البيئات الطبيعية للمملكة وتضمن استدامة الموارد.
وتتعرض الأراضي على مستوى العالم، بما في ذلك المملكة، لضغوط متزايدة تسهم في تدهورها نتيجة مجموعة من العوامل الطبيعية والبيئية والاجتماعية والمؤسسية، وتشمل هذه العوامل التغيرات المناخية، وتقلب أنماط الأمطار، وخصائص التربة والأنظمة البيئية، إلى جانب الممارسات غير المستدامة مثل الرعي غير المنظم، والتوسع العمراني، وتحويل الموائل الطبيعية، كما تسهم التحديات المؤسسية، كضعف تكامل السياسات، وإدارة البيانات البيئية، وعدم تنظيم استخدامات الأراضي، في تفاقم هذه المشكلة، مما يستدعي تعزيز الجهود والتدابير المتكاملة للحفاظ على النظم البيئية وضمان استدامة الأراضي.
ويعتمد البرنامج الوطني للتشجير والمركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر على تقنيات متقدمة لدعم مشاريع التشجير وإعادة تأهيل الأراضي، من بينها الاستشعار عن بُعد وصور الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار “الدرون”، إضافة إلى نظم المعلومات الجغرافية التي تسهم في تحليل مؤشرات بيئية متعددة، مثل تحسن الغطاء النباتي وحالة التربة وإنتاجية الأراضي ومخزون الكربون.
وتسهم هذه التقنيات في تحديد المواقع الأكثر احتياجًا للتدخل البيئي، ومتابعة تحسن النظم البيئية عبر الزمن، ما يعزز كفاءة التخطيط، ويساعد في اتخاذ قرارات أكثر دقة في إدارة الموارد الطبيعية.
وحققت جهود إعادة تأهيل المليون هكتار آثارًا إيجابية ملموسة على المستويات البيئية والاجتماعية والاقتصادية؛ فعلى الصعيد البيئي، أسهمت هذه الجهود في استعادة الغطاء النباتي وتعزيز التنوع الأحيائي، إضافة إلى تحقيق احتجاز تراكمي للكربون تجاوز 2.2 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون.
كما انعكست هذه الجهود على تحسن جودة الهواء، وانخفاض الحالات الغبارية في المملكة بنسبة تقارب 50% خلال عام 2025 مقارنة بالمعدل التاريخي.
وعلى الصعيد الاجتماعي، أسهمت مشاريع التشجير وإعادة التأهيل في توفير أكثر من 68 ألف فرصة عمل في مجالات التشجير وإدارة المراعي والمشاتل والخدمات البيئية، بينما تمثلت الآثار الاقتصادية في دعم الأنشطة الزراعية والرعوية المستدامة، وتطوير قطاعات الاقتصاد البيئي مثل السياحة البيئية وإنتاج النباتات المحلية، وتشير التقديرات إلى أن كل دولار يستثمر في إعادة التأهيل يمكن أن يحقق عوائد اقتصادية تصل إلى 30 دولارًا، مما يعكس أهمية مشاريع الاستعادة البيئية في دعم الاقتصاد الأخضر وتعزيز جودة الحياة.
ويمثل الوصول إلى إعادة تأهيل أول مليون هكتار خطوة متقدمة في مسيرة المملكة نحو بناء بيئة مزدهرة ومستدامة، كما يعكس التزامها بتعزيز دورها العالمي في مواجهة تحديات تدهور الأراضي والتغير المناخي.
وتؤكد هذه المنجزات أن حماية البيئة مسؤولية مشتركة تتطلب تكاتف الجهود بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي والمجتمع، بما يسهم في الحفاظ على الموارد الطبيعية واستثمارها للأجيال القادمة، وتحقيق تنمية متوازنة تدعم مستقبلًا أكثر استدامة للمملكة.
بيئي
عرض الكلإعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي.. إنجاز وطني يجسد التزام المملكة بالاستدامة البيئية
