تجاوز إلى المحتوى

رجال ألمع.. سياحة بطعم العسل وعبق التاريخ

إيمان السهلي • • 4 دقائق قراءة

على امتداد السفوح التي تهبط من قمم السروات نحو تهامة، ترسم محافظة رجال ألمع مشهدًا طبيعيًا تتداخل فيه الجبال الخضراء مع المدرجات الزراعية والقرى الحجرية القديمة، في لوحة بديعة تشكلت على مدى قرون، فحيث تنتهي حافة جبل تبدأ أخرى، وبينهما تتلوى الطرق والأودية، وتنتشر الحقول والبيوت والحصون، لتمنح المكان أحد أكثر المشاهد تنوعًا وجاذبية في منطقة عسير.
وتزداد الصورة جمالًا خلال موسم الأمطار الذي يبدأ عادة في شهر أغسطس حتى أكتوبر من كل عام، حين تستعيد السفوح لونها الأخضر، وتمتلئ بطون الأودية بالنباتات والأشجار، فيما تبدو المدرجات الزراعية كخطوط متتابعة تحيط بالجبال، حاملة أثر الإنسان الذي روّض التضاريس الصعبة وحوّل المنحدرات الحادة إلى مساحات للزراعة والاستقرار. وقد أسهم هذا التنوع الطبيعي في جعل رجال ألمع وجهة يقصدها الزوار للاستمتاع بالأمطار الموسمية والغابات والأودية والشلالات والمرتفعات ذات المشاهد البانورامية.
ولا تنفصل جمالية المكان في رجال ألمع عن تاريخه، فالحصون والبيوت الحجرية التي تتوزع بين الجبال ليست مجرد عناصر معمارية تزيّن المشهد، بل شواهد على تجربة إنسانية طويلة في التكيف مع البيئة الجبلية. ومن بين الأشجار والمدرجات تظهر مبانٍ حجرية قديمة، بعضها قائم حتى اليوم وبعضها يحمل آثار الزمن، لكنها جميعًا تمنح المشهد هويته الخاصة، وتروي جانبًا من علاقة السكان بالأرض وموادها المحلية.
وتبرز في قلب المحافظة قرية “رجال” التراثية بوصفها النموذج الأكثر حضورًا لهذه الهوية، حيث تتجاور القصور الحجرية الشاهقة في تكوين معماري فريد، وتظهر على واجهاتها أحجار الكوارتز(المرو) البيضاء التي منحت المباني القديمة ملمحًا زخرفيًا مميزًا حيث تضم القرية نحو عشرات القصور التي شُيدت بالحجارة الطبيعية والطين والأخشاب، فيما يصل ارتفاع بعض مبانيها إلى عدة طوابق، مشكلةً كتلة عمرانية تتدرج مع طبيعة الوادي والجبال المحيطة به.
ويكشف هذا البناء عن معرفة دقيقة بخصائص البيئة، إذ اعتمد الأهالي على الحجر عنصرًا رئيسًا في تشييد المنازل، واستخدموا الطين والأخشاب في أجزاء أخرى منها، فيما أسهم ارتفاع المباني وتناسقها وتقاربها في تكوين طراز معماري حافظ على حضوره عبر مئات السنين، ولم تكن هذه القصور مساكن فحسب، بل ارتبط توزيع أدوارها بوظائف الحياة اليومية، من حفظ المعدات الزراعية والأعلاف والحبوب إلى السكن، بما يجعل العمارة سجلًا مفتوحًا لأنماط الحياة الاجتماعية والاقتصادية القديمة.
وإلى جانب الموروث العمراني، يبرز العسل الطبيعي بوصفه أحد المنتجات التي ارتبطت برجال ألمع وبيئتها النباتية والجبلية، إذ أسهم تنوع الغطاء النباتي والأودية والمرتفعات في انتشار تربية النحل وإنتاج أنواع متعددة من العسل، لتتحول هذه المهنة المتوارثة إلى عنصر من عناصر الهوية الاقتصادية والسياحية للمحافظة.
ويجد الزائر في العسل المحلي تجربة تتجاوز شراء المنتج إلى التعرف على جانب من ثقافة المكان وطرق تربية النحل وعلاقة النحال بالمواسم والأشجار ومواقع الرعي، فيما أسهمت المواقع المتخصصة في عرض العسل ومنتجاته في تحويل هذا النشاط إلى تجربة سياحية تستقطب الزوار وتدعم المنتج المحلي.
ويبرز في هذا الجانب “كوخ العسل” بوصفه إحدى التجارب السياحية المرتبطة بمنتجات النحل في المحافظة، حيث يضيف إلى رحلة الزائر بعدًا ريفيًا مختلفًا، يجمع التعرف على العسل المحلي ومنتجاته والاستمتاع بالأجواء الطبيعية المحيطة، بما يعكس الاتجاه نحو تحويل المنتجات الزراعية المحلية إلى تجارب سياحية متكاملة بدلًا من الاكتفاء بعرضها بوصفها منتجات تجارية.
وتكتسب هذه التجارب أهميتها من ارتباطها بالمكان، فالعسل والمزارع والمدرجات والمحاصيل المحلية ليست عناصر منفصلة عن المشهد السياحي، بل امتداد لثقافة المجتمع وطرق استفادته من موارده الطبيعية، وهو ما يفتح المجال أمام السياحة الزراعية والريفية لتكون أحد المسارات الواعدة في المحافظة.
وتشكل المزارع المحلية بما تنتجه من محاصيل وفواكه موسمية عنصرًا إضافيًا في التجربة السياحية، خصوصًا في المواقع التي تتيح للزائر الاقتراب من الحياة الريفية ومشاهدة المزارع والمدرجات وطرق الزراعة التقليدية، وتذوق المنتجات المحلية، في تجربة تجمع المعرفة والترفيه والطبيعة.
ويمتد هذا الحضور إلى المطبخ المحلي والأسواق والمنتجات الشعبية والحرف اليدوية، التي تمنح السائح فرصة للتعرف على تفاصيل الحياة في رجال ألمع بعيدًا عن المواقع الطبيعية وحدها، وتوفر في الوقت نفسه فرصًا اقتصادية للأسر المنتجة والحرفيين والمزارعين والنحالين، بما يجعل النشاط السياحي أكثر اتصالًا بالمجتمع المحلي.
وعلى سفوح أخرى، تكشف المدرجات الزراعية جانبًا مختلفًا من جمال رجال ألمع، فهي ليست خطوطًا هندسية أضافها الإنسان إلى الجبل فحسب، وإنما ذاكرة زراعية تعكس قدرة السكان على استثمار الأرض والمحافظة عليها، ومع اخضرارها عقب الأمطار، تتحول تلك المدرجات إلى مشهد بصري لافت، تتدرج فيه المساحات الخضراء من قاع الوادي إلى أعالي الجبال، وتتناثر بينها الأشجار والمزارع والبيوت والطرق الضيقة.
ومن هذه العلاقة بين الجبل والإنسان تتشكل القيمة السياحية المختلفة للمحافظة، فالزائر لا ينتقل فيها إلى موقع أثري منفصل عن محيطه، وإنما يدخل إلى مشهد متكامل يجمع الطبيعة والعمارة والزراعة والثقافة المحلية، فالطريق نفسه يصبح جزءًا من التجربة، والمطل على الوادي محطة للمشاهدة، والمدرج الزراعي عنصرًا بصريًا، والحصن الحجري شاهدًا تاريخيًا، والقرية القديمة مساحة لاكتشاف تفاصيل الحياة التي عرفتها المنطقة في أزمنة سابقة.

إيمان السهلي

كاتب في صحيفة عين الإخبارية، يقدم محتوى إخبارياً ومقالات تواكب أبرز القضايا والموضوعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *