تجاوز إلى المحتوى

النقوش والزخارف النجرانية.. هوية معمارية وثقافة فنية متوارثة

أروى السلمي • • 3 دقائق قراءة

تقف البيوت والقصور الطينية القديمة في منطقة نجران دليلًا حيًا على حضارة قديمة تجمع بين براعة البناء وجمال الفن المعماري، فلم تكن هذه البيوت مجرد مسكن للإنسان النجراني، بل تحولت مع مرور الزمن إلى أعمال فنية تنبض بالحياة؛ إذ تزينت جدرانها ومداخلها بنقوش وزخارف مميزة تشكل جزءًا أساسيًا من هويتها البصرية، مما يبرز طبيعتها المعمارية الاستثنائية التي أصبحت اليوم تجذب السياح والمهتمين بالتراث الثقافي.
وتتباين الزخارف في العمارة النجرانية ما بين المجسمات البارزة والرسومات الهندسية والرمزية، وتظهر “الأفاريز” كإطارات وخطوط زخرفية تبرز حول الرفوف والأبواب والنوافذ والمداخل، مما يضفي عمقًا بصريًا يساعد على كسر رتابة الجدران الطينية.
وأوضح الخبير المحلي في البناء التقليدي ناصر مبارك الصقور، أن الزخارف لم تكن مقتصرة على الجمال فحسب، بل كانت لها أبعاد وظيفية أيضًا، فاستخدم البنّاء النجراني الطين الممزوج بالتبن أو بمادة “الأشنان” الأكثر صلابة ودقة لتشكيل عناصر معمارية مثل “الشراريف”، وهي المثلثات المفرغة التي تزين أسطح المباني بارتفاعات مدروسة، مما يساعد على حماية الجدران من مياه الأمطار، ويضيف لمسة جمالية تعكس عظمة البناء، فيما تميزت النقوش النجرانية بألوان دافئة ومبهجة، مستلهمة أساسًا من ألوان الطبيعة مثل الأحمر والأخضر والأصفر والأسود.
وبين أن العمارة في نجران استلهمت ألوانها من البيئة المحيطة بها من خلال تقنيات مبتكرة. فمثلًا، يُحصل على اللون الأخضر من غلي نبات “البرسيم” وتركيز سائلة، بينما يُستخرج اللون الأحمر من الرمان وبعض الصخور الغنية بأكسيد الحديد، أما اللون الأسود، فيستخرج من القطران المستخرج من بعض النباتات، لافتًا إلى أن الموقع الجغرافي لنجران ممرًا للقوافل التجارية وطرق الحج إسهام في إثراء هذه الألوان، حيث كان الحجاج من اليمن والهند وباكستان يجلبون معهم أصباغًا خفيفة الوزن وقيمة مثل “النيلة الزرقاء” ومساحيق ملونة أخرى تُباع في الأسواق المحلية، مما أضاف تنوعًا فريدًا للألوان التقليدية.
وأشار إلى أن النقوش تبرز فيها “المثلث” كونه العنصر الهندسي الرئيسي والمفتاح الأساسي للنقش النجراني، ويبدأ النقش بتكرار مثلثات تتجه خطوطها من اليمين إلى الأعلى ثم إلى الأسفل، ومن منتصف قاعدة المثلث الأول، ينطلق مثلث جديد، مما يشكل تسلسلًا هندسيًا متقاطعًا ومنتظمًا، يمنح الجدران حيوية وحركة بصرية جذابة تعكس التناغم والترابط، إلى جانب توجد رسومات مستقلة تتمثل في دوائر مقسمة إلى مثلثات، يتميز كل مثلث منها بلونه الخاص، مما يعكس ثراء صاحب المنزل، خصوصًا في الألوان النادرة.
وفي سياق اجتماعي خاص، كانت نساء نجران، خصوصًا الفتيات الشابات، هن المسؤولات الرئيسيات عن تنفيذ النقوش والزخارف الداخلية وتلوينها؛ ولم يكن هذا العمل مجرد واجب منزلي، بل كان طقسًا فنيًا تتنافس فيه النساء لإظهار مهاراتهن وشغفهن بالجمال، حيث كانت جودة النقوش في المنازل تُعتبر دليلًا على بركة المكان ورفعة سكانه، مما جعل هذه النقوش وسيلة تعبير تعكس الرخاء الثقافي والاجتماعي في المجتمع النجراني.
يُذكر أن النقوش والرسومات الموجودة في البيوت الطينية بنجران أكثر من مجرد زينة، إذ تمثل وثائق تاريخية وفنية أبدعها الإنسان النجراني باستخدام طين أرضه وألوان طبيعته وخصوبة خياله، ومع تحول هذه القصور إلى وجهات سياحية، تبقى هذه الزخارف دليلًا على عبقرية معمارية استطاعت أن تحول الطين العادي إلى تحف فنية تنبض بالحياة والجمال عبر العصور.

أروى السلمي

كاتب في صحيفة عين الإخبارية، يقدم محتوى إخبارياً ومقالات تواكب أبرز القضايا والموضوعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *