ناقشت الجلسة الثانية من المؤتمر السنوي الدولي الخامس، عددًا من القضايا المتصلة باللغة العربية والثقافة والأدب، من خلال ثلاث أوراق بحثية تناولت تمثيل الهوية الثقافية في الأدب العربي المعاصر، وحدود الإبداع اللغوي في قصيدة النثر، والسرد الفني للارتحال الفكري وتجذير الهوية، مستعرضةً نماذج أدبية ونقدية من التراث العربي والأدب الحديث.
وتناولت الورقة الأولى من الجلسة الثانية “تمثيل الهوية الثقافية في الأدب العربي المعاصر: دراسة أسلوبية في نصوص المقاومة من منظور ما بعد الاستعمار” قدمتها الباحثة بفراو بندر علي من وزارة التربية في إقليم كردستان بالعراق، الكيفية التي يتحول بها النص الأدبي من وثيقة انفعالية إلى أداة أسلوبية تسهم في صون الهوية الثقافية، وتفكيك السرديات الاستعمارية.
واستعرضت الباحثة عددًا من الآليات الأسلوبية، من أبرزها الترميز والتناص الحضاري، واستدعاء الرموز التاريخية والأسطورية، إلى جانب توظيف الضمائر والسرد الشعري، والبنية التكرارية والإيقاعية، بوصفها أدوات تسهم في تشكيل الوعي الفردي والجمعي، وتوثيق الذاكرة.
كما بحثت الورقة دور البنيات اللغوية والرمزية في صيانة الهوية، من خلال تحويل المفردات إلى رموز ذات أبعاد وجودية، وتوظيف اللغة بوصفها وسيلة لحماية الذات الثقافية، فضلًا عن تأسيس سردية بديلة تنتقد آليات الإقصاء، وتعزز الوعي بالعمق الحضاري.
وفي الورقة الثانية من الجلسة “حدود الإبداع اللغوي في قصيدة النثر العربية بين الممكن والمتحقق: محمد الماغوط نموذجًا”، استعرض الدكتور محمد إبراهيم علي من جامعة طرطوس في سوريا، مفهوم الإبداع اللغوي في قصيدة النثر، مركزًا على العلاقة بين الممكن الذي تسمح به اللغة المعيارية، والمتحقق الإبداعي الذي يتجاوز المألوف إلى إنتاج دلالات جديدة.
وتناول الباحث تطور مفهوم الممكن والمتحقق في الدراسات النحوية والبلاغية، والنقدية العربية القديمة، إلى جانب المقاربات الحديثة، موضحًا أن قصيدة النثر مثلت مجالًا واسعًا للتجريب اللغوي، والتحرر من القيود الإيقاعية الموروثة، والبحث عن وسائل جديدة لتحقيق الشعرية.
وركزت الورقة على ثلاث آليات للإبداع اللغوي في قصيدة النثر عند محمد الماغوط، هي التنافر الدلالي، والانقلاب الدلالي، والتمرد الدلالي، مبينةً دورها في خلخلة العلاقات المألوفة بين الألفاظ، وإنتاج دلالات جديدة، وإثارة الدهشة، وتحفيز المتلقي على التأويل والمشاركة في إنتاج المعنى.
أما الورقة الثالثة التي قدمتها الدكتورة هدى عيد بعنوان “السرد الفني للارتحال الفكري وتجذير الهوية: نوفيلا «حي بن يقظان» لابن طفيل الأندلسي أنموذجًا”، فتناولت العمل الأدبي والفكري لابن طفيل من منظور سردي وفكري وتعليمي، مركزةً على قدرته على الجمع بين التأمل العقلي والتجربة الأدبية في بناء رحلة معرفية تتدرج من ملاحظة الطبيعة إلى البحث في أسئلة الوجود والحقيقة.
واستعرضت الورقة خصائص “حي بن يقظان” السردية والفكرية، وما تتضمنه من توظيف للعزلة، والتأمل والتجربة في بناء الشخصية ورحلتها المعرفية، إلى جانب توظيف الرموز والتناصات والوسائل السردية والبلاغية في نقل الأفكار الفلسفية والمعرفية ضمن قالب أدبي.
كما بحثت أثر “حي بن يقظان” في الفكر والأدب الغربيين، من خلال الترجمات التي انتقلت بها إلى عدد من اللغات الأوروبية، وما ارتبط بها من تأثيرات في بعض التصورات الفلسفية والتربوية والأدبية، إلى جانب المقارنة بينها وبين عدد من الأعمال الأدبية اللاحقة.
وخلصت الورقة إلى إبراز قدرة اللغة العربية على الانتقال من التأثر إلى التأثير، من خلال نماذج أدبية وفكرية أسهمت في إيصال النتاج العربي إلى فضاءات ثقافية عالمية، مؤكدةً أهمية رعاية الدراسات المتخصصة في الموروث الثقافي والحضاري العربي، وتقديمه بقراءات معاصرة، وتعزيز صلة الأجيال الجديدة بهذا الموروث صونًا للهوية الفكرية والثقافية.



