في أقصى الجنوب الغربي من المملكة، تقف منطقة نجران بملامحها وتفاصيلها في خارطة الوطن، تحمل ذاكرة آلاف السنين، وتعيش الحاضر المتسارع الذي تشهده المملكة، فما بين جبالها ووديانها وسهولها وكثبانها الرملية الساحرة ومزارعها وآثارها وقراها الطينية وأسواقها الشعبية، تشكّلت هويتها التي امتدت لتصبح حاضرة للأجيال، وكتبت في صفحات الوطن، قصة الإنسان والمكان، بين ماضٍ متجذر، ومستقبلٍ مشرق، وتنميةٍ متسارعة، وجزءٍ من مسيرة وطن.
وفي اليوم الوطني السعودي، تستحضر منطقة نجران المعالم التاريخية الشاهدة على مسيرة التوحيد والبناء، التي جسّدت عراقة المنطقة، وارتباطها الوثيق بتاريخ المملكة، تحمل في طيّاتها قصصًا ومحطات ومراحل من تاريخ الوطن، تروي تحولات متعاقبة، أسهمت في تشكيل حاضرها ومستقبلها.
ولتاريخ نجران عراقة ممتدة عبر آلاف السنين، تتجلّى في مواقعها التاريخية، أبرزها موقع الأخدود الأثري، الذي يُعدّ أهم المعالم التاريخية بالمنطقة، بما يضمه من آثار ونقوش شاهدة على الحضارات التي تعاقبت على المنطقة، وكذلك منطقة حمى الثقافية التي جرى تسجيلها في (اليونسكو)، لما تحمله من قيمة وأهمية أثرية وثقافية للتراث الإنساني، وتحوي مئات الآلاف من النقوش والرسوم الصخرية والكتابات القديمة، وما يمثّله موقعها كذلك من نقطة مهمة على طرق القوافل القديمة وطرق التجارة التي تعبر الأجزاء الجنوبية من شبه الجزيرة العربية.
وتبزر القرى التراثية بقصورها ومبانيها العتيقة التي كانت شاهدة على مرحلة مختلفة من تاريخ المنطقة، وشكّلت هويتها العمرانية والثقافية، اختزلت في عبقرية الإنسان النجراني ومهارته في توظيف الموارد المحلية، في بناء العمارة التراثية، بطرازها المعماري الفريد، التي تستحضر تفاصيل الحياة القديمة، وجسّدت امتدادًا بين الماضي والحاضر؛ لتبقى شاهدة على أصالة المكان وعمق الانتماء.
فيما شكّلت الأسواق الشعبية القديمة بتراثها المتنوّع، في حي (أبا السعود)، ويسمى قديمًا (البلد)، ثراء الموروث الثقافي للمنطقة، بما تضمه من صناعات حافظت على أصالتها وهويتها، ومنها الصناعات الجلدية والفخارية والخوصية والمنسوجات، وصناعة الخناجر والجنابي والمشغولات الفضية، والحلي التقليدية، وغيرها من المنتجات التراثية التي ما زالت تستخدم حتى الوقت الحاضر؛ مما يدّل على أصالة الموروث الشعبي بالمنطقة، ومحافظته مكانته، بالرغم من تطور أنماط الحياة وتنوّع المنتجات الحديثة، وبما يعكس الاعتزاز بالهوية الوطنية، فيما أسهم وجود قصر الإمارة التاريخي بجانب الأسواق الشعبية، في تعزيز القيمة التاريخية والثقافية للمكان.
وفي الجانب الزراعي، تمتلك منطقة نجران مقومات بيئية وطبيعية وجغرافية، من اعتدال مناخ، وخصوبة تربة، ووفرة مياه، أسهمت في اتساع الرقعة الزراعية بالمنطقة، وشكّلت سلة غذاء مستدامة، وجانبًا مهمًا من مسيرة التنمية، وتنوعت فيها المحاصيل الزراعية التي تحقق الأمن الغذائي، وتدعم الاقتصاد المحلي، ومن أبرزها التمو والحمضيات والحبوب والفواكه والخضار، التي تنتجها مزارع المنطقة، التي شهدت تطورًا ملموسًا في القطاع الزراعي، من خلال الزراعات الحديثة التي لاقت نجاحًا ملفتًا، مثل: الزراعة العضوية، وغيرها من التجارب الزراعية المبتكرة.
وتتميز منطقة نجران بمقوماتها السياحية المتنوعة، التي جمعت بين المواقع التاريخية والأثرية والطبيعية، وتبرز فيها متنزهات، الملك فهد، ومتنزه الأمير جلوي، والجزم، والسود، وموعاة، والعشّة، والرغام، وعرقان، فضلًا عن المتنزهات بمحافظة بدر الجنوب، ومركز بئر عسكر، التي شكّلت واحةً طبيعية آسرة، بأشجارها الوارفة والمعمّرة مثل: السدر، والسلم، والأراك، والأثل، وباتت وجهة جاذبة ومفضلة للزوار والمستكشفين لجمال الطبيعة.
وفي اليوم الوطني السعودي تستعيد منطقة نجران ذاكرتها الوطنية، وتستحضر مسيرة التنمية، التي انتقلت خلالها من أنماط الحياة التقليدية إلى فضاءات جديدة من التعليم والخدمات والاستثمار، وتواصل نموها وعطاءها في مسيرة الوطن المعطاء، محتفظة بتاريخها التليد، وموروثها العريق، وحاضرها المتجدد، ومستقبلها المشرق.
نجران .. إرثٌ ثقافي وتنمية في مسيرة الوطن




