يحمل شهر رمضان للمسلمين حول العالم معاني روحانية واجتماعية عميقة، غير أن وقعه يكون مختلفًا لدى الطلبة السعوديين المبتعثين، الذين يعيشون أيامه بعيدًا عن أسرهم وأجواء الوطن الرمضانية, حيث يحرص الطلبة على استحضار روح الشهر الفضيل من خلال مبادرات اجتماعية وأنشطة طلابية تعزز شعورهم بالانتماء والتقارب.
وعكست آراء عددٍ من الطلبة المبتعثين في الولايات المتحدة، من خلال اللقاءات التي أجرتها وكالة الأنباء السعودية، البعد الاجتماعي والثقافي للصيام في بلاد الابتعاث، حيث تعاد ترجمة مشاعر الشوق من خلال محاولات لصناعة أجواء رمضانية بديلة، تسهم في تخفيف أثر البعد عن الأسرة والوطن، وتساعد على الحفاظ بروح الشهر المبارك رغم اختلاف البيئة اليومية وأوقات الدراسة والعمل.
وأفاد رئيس النادي السعودي بالجامعة المهندس عبدالرحمن المالكي، أن اللقاءات الاجتماعية التي تقوم بها الأندية الطلابية تساعد المبتعثين على تجاوز الشعور بالغربة بعيدًا عن الوطن، إذ يلتقي المبتعثون في أمسيات إفطار رمضانية، تشابه في أجوائها وموائدها التي في الوطن.
فيما قال المبتعث جواد بن سلطان العبيدان الجهني، طالب الماجستير في جامعة جونز هوبكنز بتخصص نظم المعلومات والذكاء الاصطناعي: “إن شهر رمضان يحمل للمبتعثين مزيجًا من المشاعر، بين بعد الأهل والأصدقاء من جهة، وما تصنعه اللقاءات الرمضانية والفعاليات الطلابية من أجواء دافئة من جهة أخرى”، مشيرًا إلى دور الملحقية الثقافية والأندية الطلابية في جمع الطلبة على موائد الإفطار وتنظيم فعاليات تناسب الشهر الفضيل.
وتتلاقى هذه الرؤية مع تجارب عددٍ من المبتعثين الذين يرون في تجمعات الإفطار والأنشطة المصاحبة لها مساحةً لتجديد الروابط الاجتماعية، والاحتفال بالشهر المبارك بشكل مختلف يمنح المبتعثين تجربة فريدة من نوعها.
وأشارت الطبيبة المبتعثة والمعيدة من جامعة الملك سعود الدكتورة العنود بنت أحمد العاصمي إلى أنّ شهر رمضان في بلاد الابتعاث له طابع مختلف يحمل مشاعر مزدوجة، وحنين عميق للأهل والوطن يقابله شعور بالمسؤولية والاعتزاز بتمثيل الإسلام والثقافة السعودية في بيئة متعددة الثقافات.
وفي امتدادٍ لهذه المعاني، تبرز لدى المبتعثين جوانب عملية مرتبطة بتنظيم الوقت والتكيف مع إيقاع الدراسة ومتطلبات العبادة، في ظل أجواء جماعية تسهم في تعزيز الإحساس بالانتماء وتدعم الاستقرار النفسي خلال الشهر الكريم.
من جانبها أوضحت المبتعثة دانة بنت عبدالله البراك، من جامعة ولاية أريزونا الأمريكية، أن اللقاءات والفعاليات التي تجمعهم تعزز شعور الأسرة الواحدة وتخفف من حنين البعد عن الأهل والوطن، كما أن رمضان يرسخ قيمة الانضباط وتنظيم الوقت بين الدراسة والعبادة.
وقال عادل بن ماجد بترجي، من جامعة جورج تاون: “إن قضاء رمضان بعيدًا عن المملكة ليس أمرًا سهلًا، لكنه أكد أهمية ما توفره الملحقية الثقافية والجالية المسلمة في الولايات المتحدة من أجواء داعمة، إلى جانب ما تحرص عليه الجامعة من مظاهر التكافل الاجتماعي، مثل: مناسبات إفطار الصائمين، وإقامة صلاة التراويح”.
وأعربت الطالبة همس بنت حسين ضامري، من جامعة ماريماونت في تخصص الأمن السيبراني، عن تقديرها للملحقية الثقافية على الدعم الذي يحظى به الطلبة السعوديون في الخارج، مشيرة إلى أن ما يقدم لهم من متابعة ومساندة خلال شهر رمضان يسهم في التخفيف من شعور الغربة، ويعزز لديهم الإحساس بالطمأنينة والاستقرار أثناء مواصلة الدراسة.
وأشارت الطالبة المبتعثة أمل آل خضير، المتخصصة في المختبرات الطبية في الولايات المتحدة، إلى أن تجربة صيام رمضان في الابتعاث مختلفة لكنها جميلة رغم البعد عن الأهل والوطن، وأن الطلبة يحرصون على توفير أجواء رمضانية عبر موائد الإفطار الجماعية وصلاة التراويح واللقاءات الرمضانية، بما يقوي الروابط ويخفف شعور الغربة، إلى جانب ما يسهم به دعم الملحقية الثقافية في الحفاظ على الأجواء والتقاليد الرمضانية وصناعة ذكريات جديدة.
ويتزامن رمضان هذا العام لدى عددٍ من المبتعثين مع مشاعر وطنية مرتبطة بمناسبة يوم التأسيس، وهو ما أضفى على تجمعاتهم بُعدًا وجدانيًا إضافيًا، ويعزز حضور فكرة الابتعاث بوصفه مسارًا علميًا ومسؤولية تمثيل الوطن في الوقت ذاته.
وأشار رئيس النادي السعودي بجامعة أوكلاند بولاية ميشيغان أحمد بن عيسى بن أحمد العبيدان، إلى شعور المبتعثين بمسؤولية تمثيل المملكة بصورة مشرفة, ومد جسور التواصل مع زملاء من مختلف الثقافات؛ بما يعكس صورة الطالب السعودي الطموح في المحافل الأكاديمية الدولية.
وتظهر هذه اللقاءات التي أجرتها “واس” كيف يتحول رمضان في الغربة من تجربة فردية مشوبة بالحنين إلى تجربة جماعية تصنعها المبادرات الطلابية وروح التعاون بين الطلبة وأسرهم، بما يحفظ للشهر المبارك حضوره الروحي والاجتماعي لدى المبتعثين السعوديين في الولايات المتحدة، ويمنحهم مساحة للعيش بأجواء رمضانية أقرب إلى الوطن وهم بعيدون عنه.
