تُعد “المغاور البونية” بمدينة الهوارية في أقصى شمال شرقي تونس أحد أبرز المعالم الأثرية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، وشاهدًا حيًا على براعة الإنسان القديم في استغلال الموارد الطبيعية.
وتعود نشأتها إلى الحقبة البونية، وهي الحضارة التي أسسها الفينيقيون في شمال أفريقيا واتخذت من مدينة قرطاج عاصمة لها، قبل أن تتحول إلى واحدة من أبرز القوى البحرية والتجارية في حوض البحر الأبيض المتوسط.
وقد استُخرجت من هذه المغاور قبل أكثر من ألفي عام كتل الحجر الرملي التي استُخدمت في تشييد مدينة قرطاج وعدد من المنشآت التاريخية، لتظل شاهدًا على ما بلغته تلك الحضارة من تقدم في مجالات الهندسة والبناء واستغلال الموارد الطبيعية.
وعلى امتداد الشريط الساحلي للهوارية، تنتشر الكهوف والأنفاق المحفورة يدويًا داخل الصخور، في مشهد يعكس دقة التقنيات التي اعتمدها البناؤون البونيون في استخراج الكتل الحجرية بأحجام متناسقة، ونقلها بحرًا إلى مواقع البناء، مستفيدين من الموقع الإستراتيجي للمدينة القريب من قرطاج، مما جعل هذه المغاور شاهدًا على جانب مهم من القوة العمرانية والهندسية للحضارة القرطاجية.
ومع تعاقب القرون، تجاوزت المغاور وظيفتها التاريخية لتصبح إحدى أبرز الوجهات السياحية في تونس، حيث يقصدها الزوار لاكتشاف تاريخها والاستمتاع بإطلالتها على البحر الأبيض المتوسط، فيما تضفي أشعة الشمس المتسللة عبر فتحاتها الصخرية مشاهد بصرية فريدة جعلتها مقصدًا للمصورين والمهتمين بالتراث، إلى جانب احتضانها بين الحين والآخر فعاليات ثقافية وفنية تستثمر خصوصية المكان وتاريخه.
وتواصل المغاور البونية اليوم أداء دورها بوصفها أحد أهم المعالم الأثرية في محافظة نابل، إذ تمثل حلقة وصل بين الماضي والحاضر، وتبرز المكانة التي احتلتها الهوارية عبر العصور بصفتها مركزًا لاستخراج الحجارة وبوابة بحرية للحضارة القرطاجية، في وقت تتواصل فيه الجهود للمحافظة على هذا الإرث التاريخي وتعزيز حضوره ضمن أبرز المقاصد الثقافية والسياحية في تونس.
ولا تقتصر شهرة مدينة الهوارية على إرثها الأثري، بل تُعرف أيضًا باستضافتها السنوية لمهرجان الصقور، المعروف محليًا بـ”مهرجان البيازرة”، الذي يُعد من أعرق المهرجانات التراثية في تونس، ويحتفي بموروث الصيد بالصقور المتوارث عبر الأجيال.
ويستقطب المهرجان آلاف الزوار من داخل تونس وخارجها، حيث يشهد عروضًا حية لعمليات الصيد التقليدية واستعراضات للصقور، إلى جانب فعاليات ثقافية وفنية تعكس خصوصية المنطقة، ليجسد بذلك جانبًا من الهوية الثقافية للهوارية التي تجمع إرثها التاريخي المتمثل في المغاور البونية وتراثها غير المادي المرتبط بفن البيزرة.
منوعات عالمية
عرض الكل“المغاور البونية” في تونس.. شاهد يروي عبقرية الهندسة القديمة
