ثقافي

عرض الكل

ديوانيات الكويت.. إرث اجتماعي عريق يترسخ في وجدان التراث العالمي

🗓 يونيو 13, 2026 ⏱ 1 دقيقة قراءة

“النشرة الثقافية لوكالة الأنباء الكويتية ضمن الملف الثقافي لاتحاد وكالات الأنباء العربية (فانا)”
في رحاب ديوانيات دولة الكويت تلتقي ذاكرة التاريخ بنبض الحاضر في امتداد حي يفيض بدفء إنساني خاص حيث يتجلى في أركانها صفاء التلاحم والترابط المجتمعي لتغدو منبرًا اجتماعيًا وثقافيًا، يختزل أصالة التراث وتفرده.
وترسخت الديوانية في عمق الهوية الكويتية منذ البدايات الأولى لتشكل المجتمع فحجزت لها مكانًا أصيلًا في تصميم البيت الكويتي بوصفهًا مجلسًا مستقلًا تشرع أبوابه للضيوف وتلتقي في أرجائه القيم والعادات.
ويتجلى الامتداد التاريخي العريق للديوانيات في الكويت من خلال أدوارها المتشعبة التي قامت على ركيزتين أساسيتين: الحوار المجتمعي والمسؤولية المشتركة تجاه الفرد والدولة على حد سواء وهو ما جعلها جسرًا فاعلًا لترسيخ القيم الوطنية ومساحة تتلاشى فيها الحواجز بين مختلف مكونات المجتمع.
وعلى مر العقود تجاوزت الديوانية دورها بصفتها ملتقى اجتماعيًا لتتحول إلى مدرسة عفوية ومحراب لنقل إرث الأجداد إلى الأحفاد يسقي الأجيال الناشئة قيم الكرم المتأصل ويغرس في وجدانهم بذور المسؤولية المجتمعية ضمن منظومة قيمية متوارثة تجسد في تفاصيلها صور التماسك والأصالة الكويتية.
ومع بزوغ فجر الدولة الحديثة تحولت الديوانية إلى منصة وطنية نابضة رسخت ثقافة الشورى والمشاركة المجتمعية وشرعت أبوابها لندوات فكرية وأمسيات شعرية وملتقيات صاغت ملامح الوعي العام.
وتتويجًا لهذا الإرث العريق أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) الديوانية الكويتية ضمن عناصر التراث الثقافي غير المادي عام 2025 بما يمثل شهادة عالمية لدورها الريادي في صياغة قيم الحوار والتسامح وإقرارًا أمميًا بكونها ممارسة إنسانية واجتماعية نابضة بالحياة تجسد هوية المجتمع وتاريخه الممتد عبر الأجيال.
ويبرز هذا الاعتراف الدولي إرادة الدولة في تحويل الموروث الوطني من حيز الممارسة اليومية إلى وثيقة إنسانية عالمية عابرة للحدود ضمن إستراتيجية تهدف إلى تعزيز حضور الكويت في المحافل الدولية واستدامة هذا الإرث الحي ونقله للأجيال المقبلة، بوصفه نموذج فريد للتواصل الإنساني والاجتماعي.
وأكد الأمين العام المساعد لقطاع الآثار والمتاحف بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب محمد بن رضا لوكالة الأنباء الكويتية (كونا) اليوم أن إدراج الديوانية ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لدى (اليونسكو) ملفًا منفردًا لدولة الكويت يعد إنجازًا وطنيًا وثقافيًا يعكس مكانتها الحضارية وحرصها على صون تراثها الحي والمحافظة على عناصر هويتها الثقافية الأصيلة.
وأوضح أن هذا الاعتراف الدولي يؤكد أن الديوانية ليست مجرد تقليد اجتماعي بل ممارسة ثقافية إنسانية أسهمت تاريخيًا في ترسيخ قيم الحوار والتسامح والتلاحم المجتمعي وكانت ولا تزال فضاء لتبادل الرأي ونقل القيم بين الأجيال بما يعزز الهوية الوطنية ويعمق الانتماء المجتمعي.
وأشار إلى أن دولة الكويت ممثلة بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب وبالتنسيق مع الجهات المعنية عملت على إعداد ملف الديوانية وفق المعايير الدولية المعتمدة انطلاقًا من إيمانها بأهمية حماية عناصر التراث غير المادي من الاندثار أو التشويه في ظل التغيرات الاجتماعية المتسارعة.
وشدد بن رضا على أن الحفاظ على الديوانية مسؤولية مجتمعية مشتركة تتطلب تضافر جهود المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني والأفراد لضمان استمراريتها بوصفها تراثًا حيًا يعكس روح المجتمع الكويتي وقيمه الإنسانية النبيلة.
بدوره، أكد رئيس الجمعية الكويتية للتراث فهد العبد الجليل في تصريح مماثل لـ(كونا) أن الديوانية أدت دورًا كبيرًا في تاريخ الكويت وارتبطت بتأسيسها حتى أصبحت جزءًا من الثقافة والهوية الوطنية.
وأشار إلى انطلاق تأسيس مدرسة (المباركية) التي تعّد أول مدرسة نظامية في الكويت عام 1911م من ديوان الشيخ يوسف بن عيسى القناعي، إلى جانب استضافة ديوانية أسرة شعيب في جزيرة فيلكا أول مدرسة نظامية في الجزيرة وهي المدرسة (الصلاحية) الأميرية عام 1937م.
وأفاد أن الديوانية شكلت مقرًا لعدد من الأندية الأدبية والثقافية منها النادي الأدبي الذي تأسس عام 1924م، وكان مقره ديوان محمد صالح الجوعان، ونادي العروبة الذي استضافه ديوان العوضي، إضافة إلى النادي الأهلي في ديوان مشعان الخضير.
وأوضح العبد الجليل أن الديوانية عبارة عن غرفة منعزلة في البيت بباب يطل على الخارج وآخر يطل على “الحوش”، مشيرًا إلى أن أغلب الديوانيات في الماضي كانت تحتوي على مخزن للحطب وأرفف توضع عليها “مرشات” الورد والمباخر وعلب البخور، إضافة إلى “وجاغ” وهو عبارة عن حفرة مربعة تبنى من الجص والطين لإعداد القهوة.
وأوضح أنَّ أهم تلك الديوانيات ديوانية الأسرة الحاكمة التي كان ولا يزال الكويتيون يحرصون على زيارتها في جميع المناسبات في الأفراح والأتراح وكانت في بيت الحاكم في فريج الشيوخ المشهور في مدينة الكويت القديمة قبل تأسيس قصر السيف وقصر دسمان وقصر بيان أخيرًا.
من جانبه ذكر أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر الدكتور عايد الجريد لـ(كونا) أن أغلب المشاريع الإصلاحية والتعليمية والثقافية في الكويت انطلقت أفكارها من الديوانيات مثل مجلس الشورى الذي طرحت فكرته في ديوانية ناصر البدر بالحي القبلي عام 1921 والمدرسة المباركية التي نوقش أمرها في ديوانية يوسف القناعي وأيضًا فكرة تأسيس النادي الأدبي الكويتي في ديوانية الشيخ عبدالله الجابر الصباح الذي تأسس عام 1924 ويعد أول مؤسسة مجتمع مدني في تاريخ الكويت.
وأكد الجريد دور الديوانية الكبير في تثقيف المجتمع في أوائل القرن العشرين، مبينًا أن من أبرز الديوانيات الفاعلة في هذا الشأن ديوانية عائلة الخالد وديوانية يوسف القناعي حيث كانت تصل إليها الصحف والمجلات من الخارج كالمنار والمقتطف والهلال ويرتادها محبو القراءة فيجتمعون لمطالعتها ومناقشة ما ينشر فيها من معلومات وآراء.
وأوضح أن ديوانية آل خالد كانت ملتقى لرجال العلم والأدب حيث نزل الزعيم التونسي الشيخ عبدالعزيز الثعالبي عام 1923 ضيفًا عند حمد الخالد الذي كان محبًا للعلم والعلماء وخصص مكانًا بديوانيته لكل عالم يزور الكويت وهو ما أدى بدوره إلى التقاء رجال العلم الكويتيين بالعلماء والمثقفين العرب.
وتطرق إلى دور ديوانية الأديب أحمد خالد المشاري التي كان يجتمع بها المثقفون كل يوم خميس للحديث في الأدب والشعر وقراءة الكتب والصحف المتوفرة في مكتبة المشاري.
كما عكست الديوانية عبر العقود عمق العلاقة الاستثنائية بين الحاكم والمحكوم في الكويت، وشكلت همزة وصل حيوية وقناة اتصال مباشرة من خلال التقليد المتأصل في التكوين الكويتي المتمثل في زيارة الديوانيات وتفقدها الأمر الذي وفر مساحة حرة لطرح المشكلات والقضايا العامة وتبني الحلول لها.
وفي سياق التحولات العصرية لم تعد الديوانيات حكرًا على الرجال إذ شهد العصر الحديث انتشارًا لافتًا للديوانيات النسائية التي أصبحت منصات جوهرية لاجتماع السيدات وتبادل الآراء بينهن حول مختلف القضايا.
وأسهم ذلك بشكل مباشر في تعزيز دور المرأة في الحياة العامة وتفعيل حضورها في المشهدين الثقافي والاجتماعي إضافة إلى تحول هذه التجمعات إلى مراكز انطلاق للمبادرات التطوعية والأنشطة النوعية التي تخدم المجتمع.
ورغم الحداثة التي تغلف الديوانيات النسائية فإن بعض المراجع البحثية تشير إلى أن هذه التجمعات تمتلك جذورًا ضاربة في القدم حيث كان النساء في الماضي يعقدن اجتماعات دورية تركز في جوهرها على الجوانب الإنسانية عبر مناقشة أحوال المعوزين والمعسرين والبحث عن حلول لمشاكلهم.
وعن المشاركة النسائية في الديوانيات أوضحت الكاتبة سعاد المعجل لـ(كونا) أن أي حديث عن هذه الديوانيات لا بد أن يسبقه حديث عن دور المرأة الكويتية والذي أفرز هذا التقليد وبشكل مباشر، مبينةً أن المرأة الكويتية كانت فاعلة اجتماعيًا واقتصاديًا منذ حقبة الغوص والسفر حيث تحملت آنذاك مسؤولية إدارة الأسرة، وفي عام 1937م افتتحت مدارس البنات النظامية وتبع ذلك مشاركتها السياسية والبرلمانية.
وذكرت أن هذه الديوانيات تتميز كذلك بحضور شبابي من الجنسين ما يمنحها طابعًا مختلفًا ويجعلها امتدادًا طبيعيًا للدور الريادي الذي تؤديه المرأة في الكويت وتجسيدًا للإرث الثقافي والفكري الثري الذي تركه رجالات الكويت من الشخصيات الوطنية البارزة.