تتشكّل حياة المبتعثين المقيمين في مكة المكرمة خلال شهر رمضان, ضمن سياقٍ يومي يجمع الالتزام الأكاديمي وخصوصية العيش في مدينةٍ تتفرّد بمكانتها الدينية، إذ تتداخل متطلبات الدراسة مع الأجواء الروحية والاجتماعية للشهر الفضيل، في تجربةٍ تحمل أبعادًا إنسانية وثقافية تتجاوز إطار التحصيل العلمي.
ويمثّل المبتعث في جامعة أم القرى إبراهيم سانوغو من كوت ديفوار نموذجًا لهذه التجربة، إذ يحرص على تنظيم يومه الدراسي خلال ساعات النهار بما يتوافق مع طبيعة الصيام، من خلال حضور المحاضرات وإنجاز المهام الأكاديمية والمذاكرة، مع توزيع الجهد الذهني بما يضمن الاستمرار في الأداء الدراسي دون إخلال بالالتزامات الدينية.
ومع دخول فترة المساء، تتبدّل ملامح اليوم، حيث ينعكس الطابع الرمضاني العام للمدينة على نمط حياة المبتعثين، فيتحوّل وقت الإفطار إلى محطةٍ اجتماعية وروحية تتسم بالتنوّع الثقافي، وتبرز فيها مظاهر التآلف والتكافل بين المقيمين والزوار من مختلف الجنسيات، في مشهدٍ يعكس عالمية المكان ووحدة الشعور الديني.
وتتيح الإقامة في مكة المكرمة للمبتعثين فرصة التفاعل اليومي مع المجتمع المحلي والجاليات المختلفة، سواء عبر المشاركة في موائد الإفطار الجماعية أو التواجد في الأجواء العامة للشهر الفضيل، مما يسهم في تعزيز الروابط الاجتماعية، ويمنح المبتعث تجربةً معيشية تتسم بالانفتاح والتبادل الثقافي.
ويشير إبراهيم سانوغو إلى أن العادات الرمضانية في بلده، تتسم بطابعٍ أسري واضح، إذ تمثّل موائد الإفطار مناسبةً يومية لاجتماع العائلة والجيران، وتُقدَّم خلالها أطعمة شعبية تعبّر عن الهوية المحلية، في أجواءٍ يغلب عليها التقارب الاجتماعي والبساطة.
وفي المقابل، تتميّز الأجواء الرمضانية في مكة المكرمة باتساع المشهد الاجتماعي وتنوّعه، حيث تتجاور عادات وثقافات متعددة في مكانٍ واحد، وتتحوّل ممارسات الشهر الفضيل إلى تجربةٍ جماعية عالمية، تتوحّد فيها القلوب حول العبادة، وتتنوع فيها أنماط الإفطار والعادات الاجتماعية، بما يعكس ثراءً ثقافيًا فريدًا.
وتختلف طريقة قضاء الليالي الرمضانية بين التجربتين، ففي ساحل العاج ترتبط السهرات الرمضانية بالجلسات العائلية والمجالس المحلية، بينما تتخذ في مكة المكرمة طابعًا تعبديًا أوسع، يتصل بالمسجد الحرام، والبرامج الدينية، وحضور الصلوات، مما يضفي على الشهر بُعدًا روحيًا أعمق.
وتسهم هذه التجربة في توسيع مدارك المبتعثين اجتماعيًا، إذ يعيشون رمضان ضمن بيئة متعددة الثقافات، ويتعرّفون على أنماط حياةٍ وعاداتٍ مختلفة، مما يعزّز قيم التعايش والاحترام المتبادل، ويُثري تجربتهم الإنسانية إلى جانب مسيرتهم الأكاديمية.
وتؤكد هذه التجربة أن الحياة الرمضانية للمبتعث في مكة المكرمة لا تقتصر على أداء الشعائر أو الالتزام الدراسي فحسب، بل تمثّل نموذجًا متكاملًا تتقاطع فيه العادات والثقافات، وتتكامل فيه مسيرة العلم مع قدسية المكان، لتغدو مكة المكرمة خلال رمضان مساحةً إنسانية جامعة، تُعيد تشكيل وعي المبتعث، وتمنحه تجربةً معرفية وروحية واجتماعية تظل حاضرةً في ذاكرته ومسيرته المستقبلية.
