يمثّل “درب زبيدة”، المار بمنطقة الحدود الشمالية، قيمة تاريخية كبيرة، بوصفه طريقًا للقوافل والحجاج والتجارة في عصور الإسلام الأولى، وأحد أشهر الطرق التي ربطت مكة المكرمة بمدينة الكوفة جنوبي العراق، وبعض أجزاء بلاد الشام، ولا تزال أطلاله باقية إلى يومنا الحاضر.
وتجاوز الدرب كونه مسارًا للحجاج، ليكون معبرًا للحضارات وناقلًا للثقافة والتجارة عبر الزمن، إذ شكّل مسارًا رئيسًا للحجاج والمسافرين عبر العصور الإسلامية، ونُسب إلى زبيدة بنت جعفر، زوجة الخليفة هارون الرشيد، التي عُرفت بعنايتها به وترميم مرافقه.
ويعود تاريخ الدرب إلى ما قبل الإسلام، غير أن أهميته زادت مع بزوغ فجر الإسلام، وازدهر منذ عهد الخلافة الراشدة والفترة الأموية، وبلغ ذروة ازدهاره في عصر الخلافة العباسية الأولى، حيث أُنشئت على امتداده المحطات والاستراحات، وحُفرت البرك، وشُقّت القنوات، وأُقيمت السدود والحصون والقلاع والاستحكامات؛ لتأمين الحجاج على طول الطريق من الكوفة إلى الديار المقدسة.
ويبدأ الجزء الواقع داخل المملكة العربية السعودية من درب زبيدة في محافظة رفحاء بمنطقة الحدود الشمالية، ويمتد جنوبًا إلى مكة المكرمة بطول يزيد على 1400 كيلومتر.
وتضمّن الدرب 27 محطة رئيسة ومثلها من المحطات الثانوية، كانت بمنزلة منازل واستراحات للحجاج والمسافرين، وتضم مرافق متكاملة وبركًا مائية وسدودًا وقنوات ومساجد وأسواقًا.
وحظي درب زبيدة باهتمام واسع من الجغرافيين والرحالة على مر العصور، إذ وثّقوا أهميته وثراءه العمراني، ومن أبرز من كتبوا عنه: اليعقوبي، وابن خرداذبة، وابن رُسته، والمقدسي، وابن جبير، وابن بطوطة، كما زاره عدد من الرحالة الأوروبيين، منهم الرحالة الفنلندي جورج فالين، والمستكشفة الإنجليزية الليدي آن بلنت.
ولا تزال العديد من البرك والآبار والمنشآت شاهدة على عبقرية التخطيط الإسلامي وعراقة هذا الطريق التاريخي، فيما بقي أثره الحضاري راسخًا في الذاكرة الإسلامية.
ونال “درب زبيدة” وغيره من طرق الحج التاريخية اهتمامًا متواصلًا من المملكة العربية السعودية منذ التأسيس، إدراكًا لقيمتها التاريخية والحضارية بوصفها جسرًا للتواصل الإنساني ورمزًا للتراث الإسلامي.
ويُعد “درب زبيدة” اليوم شاهدًا تاريخيًا يربط عظمة الماضي بفرص التطوير المستقبلية، من خلال العناية بأطلاله وتأهيلها لتكون وجهات معرفية وسياحية تليق بتاريخ المملكة.
