في الذاكرة السياحية المعتادة، ترتبط منطقة عسير بقمم السروات الشاهقة والضباب الكثيف والمدرجات الزراعية المعانقة للسحاب، لكن الجغرافيا السعودية حباها الله تنوعًا يعيد تشكيل مفاهيمنا المألوفة.
وعن المكان؛ فما أن تنحدر غربًا لتلامس أطراف البحر الأحمر عند سواحل “البرك” و”القحمة”، حتى تنفتح أمامك لوحة بحرية بكر تتوجها جزيرة سِمر على بُعد 30 كم من ساحل عسير، تبرز هذه الجزيرة كإحدى كبريات الجزر التابعة للمنطقة، كاسرةً النمطية البصرية حتى لمحيطها الساحلي؛ فهي تتفرد بهوية طبوغرافية قوامها الشواطئ الرملية البيضاء الناصعة التي تعانق مياهًا فيروزية شديدة الصفاء، لتبدو كمعزل طبيعي مهيب يتوارى عن صخب التمدن، ويمنح الزائر اتصالًا موثوقًا وعميقًا مع الطبيعة في صورتها الأولى.
هذا التكوين الجغرافي الهادئ لا يقدم مجرد مساحة بصرية للاستجمام، بل يمثل علاقة بيئية بالغة التعقيد والأهمية؛ فجزيرة سِمر تُعد حاضنةً حيوية ومحطة ارتكاز إستراتيجية لآلاف الطيور المهاجرة والمستوطنة، كطيور النورس الأبيض العين، والأطيش، والصقور البحرية، التي تتخذ من شواطئها الهادئة وتجاويفها أعشاشًا آمنة للتكاثر، وبالتوازي مع هذا الغطاء الجوي النابض بالحياة، يزدهر تحت مستوى سطح البحر نظامٌ بيئي عُذري؛ حيث تلتف حول الجزيرة مستعمرات من الشعاب المرجانية التي تُصنف ضمن الأكثر نقاءً وسلامةً في حوض البحر الأحمر، محتفظةً بكثافتها وألوانها الزاهية لعدم تعرضها تاريخيًا لارتدادات السياحة الجماعية والاستنزاف البشري؛ لتوفر بذلك موائل خصبة للأسماك النادرة وحاضنة طبيعية للسلاحف البحرية، مما يحول محيط الجزيرة إلى مختبر طبيعي مفتوح يستقطب النخبة من الباحثين عن السياحة المعرفية والغوص البيئي الدقيق.
وأمام هذه الحساسية الفائقة للموارد الطبيعية، تبرز حتمية الإدارة الحصيفة التي توازن بين التنمية وفتح الآفاق لاكتشاف هذه الكنوز، وبين حمايتها المطلقة من أي أثر بيئي سلبي.
ولا تعد جزيرة سِمر على أنها مجرد إحداثية جغرافية تُضاف إلى رصيد عسير السياحي، بل هي وثيقة حية تعكس النضج في التعامل مع مقدرات الوطن، فالإبحار نحو هذه الجزيرة والوقوف على رمالها البيضاء.
// انتهى//
22:51 ت مـ
0239
