أنهت هيئة التراث أعمال الموسم الثاني للتنقيب الأثري في موقع العصداء بمحافظة المخواة بمنطقة الباحة، ضمن برامجها العلمية الهادفة إلى دراسة المواقع الأثرية في مختلف مناطق المملكة، وتوثيق معالمها المعمارية ومكوناتها الحضارية، بما يعزز فهم تاريخ الاستيطان البشري والأنشطة الاقتصادية والدينية التي شهدتها تلك المواقع عبر العصور.
وأسفرت أعمال التنقيب الميداني الكشف عن عدد من المعالم المعمارية واللقى الأثرية التي تعكس طبيعة الحياة في الموقع خلال الفترات التاريخية التي ازدهر فيها، ومن أبرز المكتشفات مسجد أثري تبلغ مساحته نحو (11×12م)، يضم محرابًا وثلاثة مداخل رئيسة، إضافة إلى قواعد مربعة لأعمدة كانت تحمل سقف المسجد، ما يشير إلى تخطيط معماري واضح يعكس أهمية المسجد ودوره المحوري في تخطيط المدن الإسلامية المبكرة.
وكشفت أعمال التنقيب عن أربع غرف ملاصقة للمسجد من الجهة الشمالية الشرقية، بمساحات متفاوتة؛ إذ تبلغ مساحة بعضها (4×5م) وأخرى (3×4م)، وتحتوي على عناصر معمارية تشمل أحواضًا مائية ومستودعات للتخزين ومواقد داخلية للطبخ، ما يرجّح استخدامها لأغراض سكنية أو لأنشطة خدمية مرتبطة بالمسجد.
وشملت المكتشفات مجموعة متنوعة من اللقى الأثرية التي تسهم في فهم الأنشطة المعيشية التي كانت تمارس في الموقع، حيث عُثر على أجزاء من أوانٍ فخارية متنوعة، منها الفخار العادي والمزجج، إضافة إلى أوانٍ حجرية مصنوعة من الحجر الصابوني، إلى جانب رحى ومساحن حجرية كانت تستخدم في إعداد الطعام، وهي مكتشفات تعكس جوانب من الحياة اليومية والأنشطة المنزلية في الموقع.
ويُعد موقع العصداء من أبرز مواقع التعدين التاريخية في جنوب غرب المملكة العربية السعودية، كما يكتسب أهمية جغرافية وتاريخية لوقوعه على طريق الحج القادم من اليمن إلى مكة المكرمة، ما جعله محطة رئيسية في حركة العبور والتبادل عبر فترات تاريخية مختلفة.
وتأتي هذه الأعمال ضمن جهود هيئة التراث في توسيع نطاق الدراسات الأثرية الميدانية وتوثيق المواقع التراثية في المملكة، بما يسهم في بناء قاعدة معرفية علمية حول تاريخ الجزيرة العربية، ويعزز إبراز ما تزخر به من إرث ثقافي وحضاري متنوع.
