تحتضن عسير ثراءً ثقافيًا تتوارثه الأجيال عبر الفنون الشعبية والحرف التقليدية والمعارف المحلية والعادات الاجتماعية، في موروث يعكس تنوع البيئات الطبيعية والاجتماعية في المنطقة، ويرتبط بتفاصيل الحياة اليومية، ويبرز دور المجتمع في المحافظة على الهوية الثقافية ونقلها إلى الأجيال المقبلة.
وتأتي مناسبة الاحتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي الذي يوافق 17 أكتوبر من كل عام، في ظل جهود حكومية وأهلية عديدة في المملكة لتعزيز الوعي بأهمية التراث الحي وإبراز دوره في صون التنوع الثقافي واستمرار المعارف والممارسات التي تشكل جزءًا من ذاكرة المجتمعات.
ويبرز فن القط العسيري أحد أبرز المكونات الثقافية في المنطقة بما يحمله من جماليات تشكيلية وأنماط هندسية وألوان متناسقة ارتبطت بتزيين الجدران الداخلية للمنازل ولا سيما المجالس وغرف استقبال الضيوف، وتُمثل ممارسة هذا الفن نموذجًا للمعارف والمهارات التي انتقلت بين النساء عبر المشاهدة والتعلم والممارسة وتعكس ارتباط الإبداع الفني بالبيئة المحلية والحياة الاجتماعية، وأدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” فن القط العسيري عام 2017 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية تقديرًا لقيمته الثقافية والاجتماعية، ولدوره في تعزيز الروابط المجتمعية واستمرار انتقال المهارات الفنية بين الأجيال.
وتتسع مكونات التراث غير المادي في عسير لتشمل الفنون الأدائية التي تجمع الشعر والإيقاع والحركة الجماعية، وتؤدى في الأعياد والأعراس والمناسبات الاجتماعية والوطنية حيث تُمثل وسيلة للتعبير عن الفرح والاعتزاز بالموروث وتعزز المشاركة الجماعية والتواصل بين أفراد المجتمع.
وتبرز في هذا السياق ألوان شعبية متعددة، من بينها “الخطوة” و”اللعب” و”الدمة” و”القزوعي” و”المدقال” إلى جانب ألوان أخرى تختلف في أساليب أدائها وإيقاعاتها وارتباطاتها الاجتماعية من محافظة إلى أخرى، وتعتمد هذه الفنون على تداخل الأداء الحركي مع الأهازيج والقصائد الشعبية والطبول بما يمنحها خصوصيتها الفنية ويجعلها جزءًا من الذاكرة الشفهية للمنطقة.
وتؤدي القصائد والأهازيج الشعبية دورًا في حفظ المفردات المحلية والتعبيرات المتوارثة، كما تعكس موضوعاتها جوانب من الحياة الاجتماعية والقيم السائدة وتجارب المجتمع فيما يُسهم استمرار تقديمها في المناسبات والفعاليات الثقافية في تعريف الأجيال الجديدة بهذا الموروث وإتاحة الفرصة لممارسته.
وتعكس الأزياء التقليدية في عسير جانبًا آخر من التنوع الثقافي من خلال تعدد التصاميم والألوان والزخارف ومهارات الخياطة والتطريز وما يرتبط بها من عادات ارتداء الملابس والحُلي في الأعياد والمناسبات الاجتماعية، ولا تقتصر قيمة هذه الأزياء على مظهرها المادي، بل تشمل المعارف والمهارات التي تتصل بصناعتها وتنسيقها وما تحمله من دلالات اجتماعية وجمالية انتقلت عبر الممارسة والتوارث.
وتحضر المأكولات الشعبية بوصفها أحد المكونات المرتبطة بالذاكرة اليومية في المنطقة إذ تتناقل الأسر وصفات إعداد الأطباق وطرق طهيها وتقديمها مستفيدة من المكونات المحلية والخبرات المتوارثة، ومن أبرز هذه المأكولات “الحنيذ” و”العريكة” و”العصيدة” و”المشغوثة” و”الجريش” و”المرقوق”، إلى جانب أطباق أخرى تتنوع مسمياتها وطرق إعدادها بحسب البيئات المحلية والعادات الأسرية.
وترتبط هذه المأكولات بممارسات اجتماعية تتجاوز إعداد الطعام إلى قيم الضيافة والتكافل وتبادل الأطباق بين الأسر والجيران، كما تُمثل معرفة طرق إعدادها وحفظ مكوناتها وتقديمها جانبًا من الخبرات التي تنتقل بين الأجيال وتبقى حاضرة في المناسبات الاجتماعية والأعياد وشهر رمضان.
وتكشف الحرف التقليدية في عسير عن علاقة الإنسان بموارده الطبيعية واحتياجاته اليومية من خلال مهارات صناعة الفخار والأدوات الخشبية والمعدنية والمنتجات المصنوعة من الخوص والألياف النباتية والجلود إلى جانب المعارف المرتبطة بمواد البناء التقليدية وتشكيل الأبواب والنوافذ المزخرفة.
وتعتمد هذه الحرف على خبرات متراكمة في اختيار المواد الخام ومعالجتها وتشكيلها ومعرفة خصائصها وطرق الاستفادة منها وهي مهارات يكتسبها المتعلم بالمشاهدة والتدريب والممارسة المباشرة، ويتيح استمرار هذه الصناعات المحافظة على جانب من المعارف التقليدية إلى جانب إمكان تطوير منتجات معاصرة تستلهم عناصرها من الموروث المحلي وتوفر فرصًا للحرفيين والأسر المنتجة.
كما يضم التراث الثقافي في المنطقة معارف شعبية متصلة بالبيئة المحلية وأساليب الاستفادة من مواردها والممارسات المنزلية والزراعية واستخدام الأدوات التقليدية وتدبير شؤون الحياة اليومية، وتبرز أهمية هذه المعارف في ارتباطها بالتجربة العملية وفي انتقال كثير من تفاصيلها عبر الرواية الشفهية والممارسة، ما يجعل توثيقها وإتاحتها للتعلم من المسارات الداعمة لاستمرارها.
وتتجلى جوانب أخرى من التراث غير المادي في العادات الاجتماعية المرتبطة باستقبال الضيوف والاحتفاء بالمناسبات والتعاون بين الأسر والجيران وما يصاحبها من أهازيج وأطعمة وأزياء وفنون شعبية، وتتكامل هذه الممارسات لتشكل تجربة ثقافية تعكس قيم الكرم والتواصل والانتماء.
وتبرز أهمية صون هذه المكونات في دعم الممارسين والحرفيين والفنانين الشعبيين وتوثيق روايات كبار السن ومعارفهم وتسجيل الألحان والأشعار وأساليب الأداء إلى جانب تنظيم الورش التعليمية والبرامج الثقافية التي تتيح للأجيال الجديدة التعرف على الموروث وممارسة مهاراته.
كما توفر الوسائل الرقمية فرصًا لتوثيق التجارب الثقافية ونقلها إلى جمهور أوسع وتعزيز حضورها في المحتوى التعليمي والثقافي على أن تظل هذه الوسائل داعمة للممارسة الحية مع ضمان مشاركة المجتمعات المحلية في توثيق تراثها وتقديمه والمحافظة على خصوصيته.
ويؤكد الاحتفاء باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي أهمية تكامل جهود المؤسسات الثقافية والأسر والممارسين في حماية هذا الموروث وتعزيز حضوره في الحياة المعاصرة وتوفير الظروف الملائمة لاستمرار انتقاله بين الأجيال.
ويظل التراث غير المادي في عسير سجلًا حيًا لذاكرة المكان والإنسان تتجدد ملامحه في النقوش والفنون والأهازيج والحرف والوصفات والمعارف المتوارثة بما يعكس ثراء الهوية الثقافية للمنطقة ويجعل المحافظة عليه مسؤولية مشتركة تُسهم في صون الموروث الوطني وتعزيز حضوره في المستقبل.
التراث غير المادي في عسير.. فنون وأهازيج ومعارف متوارثة تحفظ ذاكرة المكان




