تستحضر القرى الحجرية في منطقة الباحة ملامح من حياة الأجيال السابقة، وتكشف مبانيها عن براعةٍ في تشييد المنازل باستخدام الحجر، وتوظيف المواد المتاحة بما يلائم طبيعة المكان، إذ تتجلى في تفاصيل هذه العمارة خبرة البنّائين في اختيار الأحجار وتشكيلها ورصفها؛ وهي معارف تراكمت عبر الممارسة وانتقلت من جيل إلى آخر.
وتبرز أعمال البناء والترميم جانبًا من تلك المهارات؛ إذ يتطلب التعامل مع الحجر معرفةً دقيقة بخصائصه وطرق تثبيته، إلى جانب المهارة في ملاءمة القطع الحجرية بعضها لبعض، حيث تمثل هذه الممارسات امتدادًا لحرفةٍ ارتبطت بالمكان، وأسهمت في صياغة ملامح القرى وتشكيل مبانيها.
وتعكس المباني الحجرية علاقة الإنسان ببيئته؛ فقد اعتمد البناء على الحجر بوصفه مادةً أساسية متاحة، مع مراعاة الانسجام مع تضاريس المنطقة وطبيعة الحياة فيها، إذ تتجاور هذه المباني مع المشاهد الزراعية والمرتفعات، لتقدم صورةً حية عن نمط عيشٍ ارتبط بموارد المكان وتضاريسه.
ولا يقتصر الموروث على المباني التي بقيت شاهدة على حقبٍ زمنية غابرة، بل يشمل كذلك المعارف والمهارات المرتبطة ببنائها وصيانتها، حيث الحرفة التي يكتسبها البنّاء بالممارسة، وينقلها إلى من يعملون معه، تمثل جزءًا أصيلًا من التراث الثقافي غير المادي، والحفاظ على تلك المهارات يمنح المباني قيمتها بوصفها سجلًا لتجربة المجتمع وذاكرته.
ويوافق السابع عشر من أكتوبر اليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي، الذي أقرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 2023م؛ بهدف إبراز تنوع الممارسات والمعارف والمهارات التي تتوارثها المجتمعات -ومن بينها الحرف التقليدية- والتوعية بأهمية صونها وضمان انتقالها إلى الأجيال المقبلة.
العمارة الحجرية في الباحة تستحضر مهارات البناء التقليدي في يوم التراث غير المادي




