تزخر محافظة العُلا بإرثٍ حضاري وإنساني يمتد لآلاف السنين، ما يجعلها بيئة تاريخية ثرية تعكس مسيرة الإنسان وتطور ثقافاته عبر العصور؛ إذ تركت الحضارات التي تعاقبت على أرضها شواهد متعددة تمثّلت في النقوش الصخرية والمواقع الأثرية والطرق التجارية القديمة، التي وثّقت حضور الإنسان وتفاعله مع المكان، وأسهمت في تشكيل ملامح الحياة الثقافية والاجتماعية في المنطقة عبر الأزمنة.
وتُشكّل النقوش الصخرية المنتشرة في جبال وأودية العُلا سجلًا بصريًا فريدًا يوثّق تعاقب الحضارات التي مرّت بالمنطقة، ويعكس في الوقت ذاته مهارة الإنسان القديم في التعبير والتدوين على الصخور، حيث تحوّلت تلك الصخور إلى صفحات مفتوحة حفظت تفاصيل الحياة الإنسانية في تلك الحقب التاريخية.
ولا تقتصر هذه النقوش على كونها رسوماتٍ فنية، بل تُعد أرشيفًا بصريًا وثّق أنماط الحياة والعادات والتقاليد والمعتقدات الاجتماعية والدينية التي عاشتها المجتمعات القديمة في الجزيرة العربية، ما يجعلها مادة علمية ثرية للباحثين والمهتمين بدراسة المجتمعات القديمة وتحولات الإنسان عبر الزمن، وصولًا إلى الحاضر الذي يشهد عناية متنامية بالموروث الثقافي وتعزيز حضوره ضمن مسيرة التنمية الثقافية في المملكة.
وتظهر في هذه النقوش مشاهد متعددة من الحياة اليومية، مثل رسوم الإبل وقوافلها المرتبطة بطرق التجارة القديمة، وصور الصيادين أثناء ممارستهم للصيد، إلى جانب مشاهد إنسانية تعكس تفاصيل الحياة الاجتماعية، كما تضم بعض النقوش كتابات حملت عبارات شعرية وغزلية تعبّر عن مشاعر الإنسان القديم واهتماماته، وتكشف جانبًا من الذائقة الثقافية التي كانت سائدة آنذاك.
وتوثّق هذه النقوش مراحل تطور الكتابات القديمة في شمال الجزيرة العربية، مثل الخطوط الآرامية والثمودية والدادانية واللحيانية والمسند الجنوبي والنبطية، وهي شواهد لغوية مهمة أسهمت في فهم تطور اللغة والكتابة لدى المجتمعات التي استوطنت المنطقة عبر العصور.
ويمتد هذا التنوع الحضاري إلى العادات والتقاليد المحلية وأنماط المعيشة المرتبطة بالواحات الزراعية في العُلا، إلى جانب الحرف التقليدية والمجالس الاجتماعية التي شكّلت عبر الزمن جزءًا من الهوية الثقافية لأهالي المحافظة، فضلًا عن ارتباط الإنسان ببيئته الطبيعية التي أسهمت في صياغة ملامح الحياة في الواحة بين الجبال والتكوينات الصخرية.
وفي إطار الجهود الرامية إلى حفظ هذا الإرث الإنساني، تعمل الهيئة الملكية لمحافظة العُلا على تنفيذ مشروع يُعنى بتوثيق الإنسان والمكان شفهيًا؛ بهدف حفظ الروايات الشفوية والذاكرة المجتمعية المرتبطة بتاريخ المحافظة وأنماط الحياة فيها، ونقلها إلى الأجيال بوصفها جزءًا من تاريخها الثقافي والاجتماعي.
وفي السياق ذاته، يأتي قرار مجلس الوزراء بالموافقة على تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، ليعزز الجهود الوطنية الرامية إلى دراسة تحولات المجتمع السعودي وتوثيق موروثه الثقافي في إطار مؤسسي متخصص، من خلال دعم البحوث العلمية المرتبطة بعلم الإنسان وتحليل التحولات الاجتماعية والثقافية.
ويُعنى علم الأنثروبولوجيا بدراسة الإنسان من جوانب متعددة تشمل الثقافات والعادات والتقاليد وتطور المجتمعات البشرية واللغات واللهجات وأنماط الحياة قديمًا وحديثًا، فيما تركز الدراسات الثقافية على تحليل التراث الثقافي والهوية المجتمعية والفنون الشعبية والممارسات الاجتماعية التي تعكس تنوع التجربة الإنسانية.
كما يسهم تأسيس المعهد في تعزيز فهم التحولات الاجتماعية في المملكة ضمن رؤية علمية حديثة تتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، وتدعم جهود توثيق الموروث الثقافي ودراسة تطور المجتمع السعودي عبر الزمن.
وحرصت الهيئة الملكية لمحافظة العُلا على إبراز الجوانب الثقافية والإنسانية المرتبطة بتاريخ المحافظة من خلال تنظيم عدد من المهرجانات والفعاليات الثقافية التي تستحضر حياة الإنسان في العُلا عبر العصور، وتسلّط الضوء على العادات والتقاليد وأنماط المعيشة التي عرفها أهالي المنطقة والحضارات التي تعاقبت عليها.
وقد تحوّلت هذه الموروثات إلى تجارب حيّة يعيشها الزائر في عدد من المواقع التاريخية، حيث تُقدَّم بأساليب تفاعلية تستحضر تفاصيل تلك الحقب، ومن أبرزها مهرجان الممالك القديمة ومهرجان شتاء طنطورة، اللذان يقدّمان أنشطة ثقافية وتجارب معرفية تعرّف الزوار بتاريخ المنطقة وإرثها الحضاري.
كما تحظى احتفالية الأهالي السنوية المرتبطة بالمزولة الشمسية “الطنطورة” باهتمام خاص، إذ تُعد من أبرز التقاليد التي ارتبطت بحياة أهالي العُلا قديمًا، حيث كانت تُستخدم لتحديد دخول مربعانية الشتاء وبداية الموسم الزراعي، في تقليد اجتماعي متوارث يجتمع فيه الأهالي احتفاءً بتعاقب الفصول وتنظيم حياتهم الزراعية.
وتتواصل هذه الأنشطة بمشاركة فاعلة من أهالي العُلا، الذين يسهمون في إبراز تراثهم المادي وغير المادي عبر الحرف التقليدية والممارسات الثقافية والعروض التراثية، بما يعزّز حضور الهوية المحلية ويحافظ على استدامة الموروث الثقافي بوصفه جزءًا أصيلًا من ذاكرة المكان والإنسان.
ويُنتظر أن يسهم تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية في دعم البحوث المتخصصة المرتبطة بتاريخ المجتمعات المحلية، وإجراء الدراسات الميدانية لتوثيق الموروث الثقافي المادي وغير المادي وتحليل التحولات الاجتماعية، بما يعزز حضور المملكة في مجالات الدراسات الإنسانية، ويبرز ثراء الإرث الحضاري الذي تزخر به مناطقها، ومن بينها العُلا بوصفها بيئة تاريخية مفتوحة لدراسة الإنسان وثقافته عبر العصور.
ثقافي
عرض الكلالعُلا.. بيئة تاريخية ثرية لدراسة الإنسان وثقافته عبر العصور
