تتجلى في خدمة ماء زمزم المبارك، على مدى عقود، إحدى صور العناية التي أولتها المملكة العربية السعودية للحرمين الشريفين وقاصديهما، منذ عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه -، وصولًا إلى العهد الزاهر، إذ تطورت منظومة سقيا زمزم من الأساليب التقليدية إلى منظومة متكاملة توظف أحدث التقنيات والإمكانات؛ حفاظًا على نقائه وجودته، وتيسيرًا لوصوله إلى ضيوف الرحمن وقاصدي الحرمين الشريفين.
وتتزامن هذه العناية المتواصلة مع احتفاء المملكة باليوم الوطني السعودي، الذي يوافق 23 سبتمبر من كل عام، مستذكرًا ذكرى توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز -رحمه الله-، وما شهدته البلاد منذ ذلك التاريخ من مسيرة تنموية امتدت إلى مختلف المجالات، وفي مقدمتها خدمة الحرمين الشريفين والعناية بقاصديهما.
وتحمل مسيرة العناية بماء زمزم محطات متعددة بدأت في عهد الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه -، من بينها إنشاء سبيل لسقيا زمزم عام 1926م، وإنشاء سبيل ثانٍ عام 1927م، إلى جانب إيلاء زمزم مزيدًا من التنظيم والعناية.
وفي عهد الملك سعود بن عبدالعزيز -رحمه الله-، شهدت منظومة سقيا زمزم خطوات تطويرية، منها تركيب مضخة لرفع ماء زمزم عام 1953م، وحفر قبو ليكون مكانًا لزيارة البئر للشرب عام 1962م، بما أسهم في تطوير آليات الحصول على الماء وخدمته .
وتواصلت أعمال التطوير في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز -رحمه الله- بإنشاء قبو ثانٍ لبئر زمزم عام 1973م، ثم شهدت المنظومة في عهد الملك خالد بن عبدالعزيز -رحمه الله- عام 1978م نقل مدخل قبو زمزم، وإجراء أول عملية استكشاف حديثة لبئر زمزم .
وفي عهد الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله-، أُدخل عام 1988م نظام مياه للشرب والتصريف وصنابير للشرب ضمن مشاريع التوسعة، فيما شهد عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- إنشاء محطة لتنقية مياه زمزم ومحطة لتعبئة العبوات ضمن مشروع الملك عبدالله لسقيا زمزم عام 2006م، لتأخذ عمليات التنقية والتعبئة مسارًا أكثر تنظيمًا وتطورًا .
واستمرت مسيرة التطوير في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-، باستكمال الأعمال وتأهيل منشآت خدمة ماء زمزم، بما يعزز جاهزية منظومة السقيا وتلبية احتياجات القاصدين.
وتواصل الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي اليوم جهودها في تقديم ماء زمزم لقاصدي المسجد الحرام والمسجد النبوي، ضمن منظومة تشغيلية متكاملة تشمل توفير المياه، وتوزيعها، والعناية بالحافظات ونقاط السقيا، ومتابعة أعمال النظافة والتعبئة والخدمات المرتبطة بها، بما يواكب كثافة أعداد المصلين والمعتمرين والزوار.
وتعتمد المنظومة على كوادر بشرية وتجهيزات تشغيلية تعمل بصورة مستمرة؛ لضمان توفر ماء زمزم في المواقع المخصصة له، وسهولة وصول ضيوف الرحمن إليه، مع تطبيق الإجراءات التي تكفل المحافظة على جودته وسلامة تقديمه.
وتبرز هذه العناية في الأرقام التشغيلية التي تعكس حجم المنظومة، إذ تبلغ كمية الاستهلاك اليومي في المواسم بالمسجدين الشريفين نحو 1,560,000 لتر، فيما يصل عدد حافظات مياه زمزم في الحرمين الشريفين إلى نحو 40 ألف حافظة، ويعمل في خدمة ماء زمزم أكثر من 1,530 عاملًا، بما يجسد اتساع نطاق الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين.
وتأتي خدمات سقيا زمزم ضمن منظومة أوسع تعمل الهيئة من خلالها على الارتقاء بتجربة ضيوف الرحمن، عبر تطوير الخدمات التشغيلية والاستفادة من الحلول التقنية والتنظيمية، بما يرفع كفاءة الأداء ويعزز سرعة الاستجابة لاحتياجات القاصدين. وأكدت الهيئة ضمن خططها التشغيلية أهمية تطوير خدمات سقيا زمزم وتوزيع عبواته، إلى جانب منظومة واسعة من الخدمات المساندة داخل المسجد الحرام.
وهكذا تواصل المملكة مسيرة العناية بماء زمزم، التي بدأت منذ عهد الملك المؤسس، وتطورت عبر عهود ملوكها، حتى أصبحت اليوم منظومة متقدمة تجمع بين الخبرة المتراكمة والتقنيات الحديثة، في صورة تعكس جانبًا من عناية المملكة بالحرمين الشريفين، وحرصها على خدمة ضيوف الرحمن، لتظل سقيا زمزم عنوانًا ممتدًا للعطاء في مسيرة وطنٍ جعل خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما من أولوياته .



