ثقافي

عرض الكل

“ساعي البريد”.. الذاكرة الحية لزمن الرسائل

🗓 يوليو 24, 2026 ⏱ 1 دقيقة قراءة

في زمن لم تكن وسائل الاتصال الحديثة قد ظهرت بعد، شكّل البريد الشريان الأهم للتواصل بين الناس، فيما مثّل “ساعي البريد” الرابط الحي الذي يحمل الرسائل والآمال والحنين، وكان مكتب البريد مقصدًا يوميًا لكثير من الأهالي لإرسال رسائلهم إلى أحبّائهم في أماكن بعيدة، إذ تأسس البريد السعودي عام 1926م لتقديم الخدمات البريدية في جميع المناطق.
وكانت الرسائل تُكتب بخط اليد وتُوضع بعناية في أظرف بيضاء مميزة تزيّنها خطوط متقطعة باللونين الأزرق والأحمر، ويُدوّن اسم المرسل إليه على اليمين واسم المرسل على اليسار، ثم تُغلق الأظرف بالغراء وتُلصق عليها الطوابع التي تحكي كل منها حدثًا مهمًا يخلّد مشهدًا بارزًا في تاريخ المملكة، قبل أن تُسلّم لموظف البريد لتبدأ رحلتها نحو وجهتها.
وتعددت آنذاك طرق الإرسال بين البريد العادي والبريد المسجَّل، إذ أتاح الأخير إمكانية تتبّع الرسائل وضمان عودتها إلى المرسل إذا تعذّر تسليمها.
ولم يكن مرور “ساعي البريد” عابرًا في الأحياء أو مجرد ناقل للرسائل، بل كان جزءًا من حياة الناس اليومية وذكرياتهم، وامتد حضوره إلى الشعر والثقافة الشعبية، وكان يرتدي زيًا رسميًا ويحمل حقيبة لحفظ الرسائل، متنقلًا بين البيوت على الدراجة الهوائية حاملًا رسائل طال انتظارها، ولم يقتصر البريد على خدمة المراسلة، بل شكّل وسيلة للتعريف بالآخرين، إذ اعتاد كثيرون نشر صورهم وأسمائهم وهواياتهم في صفحات الصحف والمجلات.
وأوضح فهد خلف الجبهان -أحد منسوبي البريد السعودي سابقًا- بمنطقة الحدود الشمالية لـ “واس” أن قرى تاريخية قديمة مثل: (لينة، وأم رضمة، ولوقة، والدويد) برزت بوصفها محطات محورية في مسار البرقيات ونقل الرسائل، ضمن دروب القوافل والمسارات التاريخية الشهيرة، وعلى رأسها “درب زبيدة”، ورغم تبدل الوسائل وظهور التقنية الحديثة، تبقى تلك القرى شاهدًا حيًا على بدايات التواصل البشري في شمال المملكة، ومثالًا على دورها التاريخي في إيصال الرسائل وحفظ الود بين الأهل والأحبة في زمن كان فيه كل خطاب يحمل شوقًا وأثرًا لا يُنسى.