طوّر علماء في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، منصة تصوير جديدة لتحليل عينات الأنسجة بسرعة أكبر وبنتائج أكثر موثوقية، ولا تعتمد على الصبغات الكيميائية، بما يدعم مستقبل التشخيصات المعززة بالذكاء الاصطناعي في مجال الأمراض السرطانية.
ويأتي هذا البحث في دراسة نُشرت بالمجلة العلمية الشهيرة Advanced Science، ضمن رسالة كاوست في الصحة الذكية الهادفة إلى تطوير تقنيات تسهم في تحسين الوقاية من السرطان وتشخيصه وعلاجه.
وجرت عملية التقييم الأولي لكفاءة المنصة باستخدام عينات من أنسجة القولون والمستقيم، نظرًا لأهمية هذا النوع من السرطان بوصفه أحد أبرز الأولويات الصحية في المملكة، إذ يُعد من أكثر أنواع السرطان شيوعًا فيها، وتحسين أساليب تحليل هذه العينات سيساعد على تعزيز التشخيص المبكر والفعّال، إضافة إلى دعم مسارات الرعاية الصحية المستقبلية.
وتعتمد العديد من مختبرات علم الأمراض اليوم على الصبغات الكيميائية لتحضير عينات الأنسجة قبل فحصها مجهريًا، ورغم شيوع هذه الطريقة فإنها قد تضيف وقتًا إلى إجراءات التشخيص، وقد تتأثر باختلاف طرق التحضير وظروف المختبر وجودة المواد المستخدمة.
وفي هذا السياق، اعتمد علماء كاوست في هذه المنصة على نهج بديل يستخدم شرائح سيليكون ذات تصميم خاص لإنتاج صور ملونة بنيوية دقيقة مباشرة من عينات الأنسجة، دون الحاجة إلى الصبغات التقليدية، وتتيح هذه الصور لأطباء علم الأمراض مراجعة العينات، وفي الوقت نفسه الحصول على بيانات معيارية فائقة الدقة يمكن أن تدعم مستقبلًا التشخيص المعزز بالذكاء الاصطناعي.
وأظهرت الدراسة أن المنصة حققت نسبة توافق بلغت 99% مع التقييمات التقليدية في علم الأمراض عند تحليل عينات أنسجة القولون والمستقيم، مما يعني أن أطباء علم الأمراض توصلوا إلى الاستنتاجات التشخيصية نفسها في معظم الحالات تقريبًا، ولكن عبر عملية تصوير أسرع وخالية من الصبغات.
وقُيّمت المنصة باستخدام عينات أنسجة مأخوذة من 120 مريضًا، حيث قارن الباحثون أداءها بالطرق التقليدية المعتمدة في علم الأمراض، وأظهرت النتائج توافقًا قويًا في تحديد سمات الأنسجة السليمة والسرطانية، بما يدعم مواصلة التحقق من جدوى هذا النهج في البيئات السريرية.
وبما أن هذه الطريقة لا تتطلب استخدام الصبغات الكيميائية، فقد لاحظ الفريق انخفاضًا في الوقت اللازم لتحضير العينات مقارنة بالطرق التقليدية، وتشير النتائج الأولية إلى أن المنصة قد تختصر زمن التحضير بنحو 40 إلى 50%، مع تقديم نتائج أكثر ثباتًا من خلال الحد من الاختلافات التي قد تنشأ بسبب ظروف الصبغ.
وقال أستاذ هندسة وعلوم المواد في كاوست البروفيسور تشياوتشيانغ غان :”يركز هذا البحث على تحسين إحدى أهم مراحل التشخيص، وهي طريقة تحضير عينات الأنسجة ومراجعتها، فطرق الصبغ التقليدية قد تتأثر بخطوات التحضير، وجودة الكواشف، وظروف المختبر، ومن خلال إنتاج صور رقمية أكثر ثباتًا دون صبغات، يمكننا تقليل التباين وتوليد بيانات أكثر موثوقية للمراجعة السريرية والتحليل المعزز بالذكاء الاصطناعي مستقبلًا”.
وقد طُوّرت المنصة مع مراعاة قابلية التطبيق العملي، ويعمل الفريق البحثي حاليًّا على مواصلة التحقق من كفاءة النظام، ودراسة المسارات الممكنة لاستخدامه سريريًّا وتجاريًّا في المستقبل.
وجمع البحث بين خبرات في علوم المواد، والعلوم الطبية الحيوية، والحوسبة، بما يعكس النهج متعدد التخصصات الذي تتبناه كاوست في أبحاث التشخيص، ويعمل الفريق حاليًا مع شركاء في قطاع الرعاية الصحية، من بينهم مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث بالمدينة المنورة، لمواصلة تقييم المنصة في نطاق أوسع من البيئات الصحية داخل المملكة، ومن خلال ربط البحث العلمي بالتطبيقات العملية، توفر كاوست بيئة تمكّن التقنيات التشخيصية الجديدة من التقدم نحو الاستخدام الواقعي.
وقد تمتد تطبيقات هذه التقنية مستقبلًا إلى ما هو أبعد من سرطان القولون والمستقيم، حيث اختبر الباحثون في الدراسة أيضًا عينات من أنسجة الثدي والرئة والغدة الدرقية، وتمكنت المنصة من التقاط سمات نسيجية رئيسية قابلة للمقارنة مع تلك الظاهرة في الشرائح المصبوغة بالطرق التقليدية.
