يُشكّل الصيادون في جازان ذاكرةً حيّةً للبحر، إذ لم تكن علاقتهم بالموج يومًا مجرّد مهنةٍ للرزق، بل حكاية طويلة نسجتها المواسم وحفظتها الجزر وتوارثتها الأجيال جيلًا بعد جيل، فيما ظلّ الصيادون يقرأون البحر بخبرتهم، ويهتدون إلى مواسمه ومساراته بما راكمته الذاكرة من معرفةٍ وتجربة، حتى غدت المياه لديهم طريقًا مألوفًا تُقرأ إشاراته كما تُقرأ الطرق المؤدية إلى البيوت.
ومن بين أولئك الذين عاشوا البحر معرفةً وتجربة، يبرز الصياد محمد إبراهيم شحّار، الذي ارتبط اسمه بجزر فرسان، وعرف جزيرة “البادرة” قبل أكثر من خمسين عامًا، فكان يقصدها من مدينة جيزان، حين كانت أكثر هدوءًا وعزلةً، لا يعرف تفاصيلها إلا الصيادون الذين اتخذوا من البحر بيتًا، ومن الجزر محطاتٍ مؤقتةً للرزق والراحة.
وفي جزيرة “البادرة”، التي تبعد عن فرسان نحو (12) كيلومترًا، يجد الصياد شحّار مساحةً من السكينة اعتاد أن يعود إليها بعد التنقّل بين مواقع الصيد، حيث يقضي يومين أو ثلاثة بين المياه التي حفظ تضاريسها ومساراتها البحرية عن ظهر قلب، مستدلًا عليها بخبرته الطويلة أكثر من أي علامةٍ أخرى.
ويتنقّل العم محمد بين مواقع الصيد التي عرفها منذ عقود، مستدلًا على مواضعها بتغيّر لون الماء، واتجاه الريح، وهدوء الموج أو اضطرابه، في معرفةٍ بحريةٍ صنعتها التجربة الطويلة أكثر مما تصنعها الأجهزة الحديثة؛ فالبحر بالنسبة إليه ليس فضاءً مفتوحًا، بل خريطةٌ حيّة تحفظها الذاكرة.
وامتهن شحّار الصيد منذ سنواتٍ مبكرة، وتعلّم أن لكل موسمٍ طريقته ورزقه؛ ففي الشتاء يعتمد على “المخدجة”، وهي طريقةٌ تقليدية لرمي الشباك تُستخدم لصيد البُلم، وهو طُعم لصيد سمك “البياض”، أما في موسم “الكنّة”، حين تهدأ الرياح وتقترب أسراب الأسماك من السواحل، فيتجه إلى صيد الكنعد أو “الضيراك” باستخدام “الجَلَب”، مستندًا إلى معرفةٍ طويلةٍ بطبائع البحر ومواسمه.
ورغم ما شهدته مهنة الصيد من تطوّرٍ في أدوات الملاحة ووسائل الرصد الحديثة، بقي شحّار وفيًّا لعلاقته الأولى بالموج، يقرأ البحر بعين الخبير، ويزن الريح بحدس الصياد القديم، مؤمنًا بأن البحر لا يُخرج الرزق دفعةً واحدة، وأن الصبر ظلّ دائمًا جزءًا من الحكاية.
وهكذا، يواصل محمد شحّار رحلته المعتادة بين جيزان و”البادرة”، عائدًا إلى البحر كل مرةٍ كأنّه يعود إلى جزءٍ من حياته؛ لتظلّ الجزر بالنسبة إليه أكثر من محطات صيد، بل أماكن حفظت عمرًا طويلًا من التعب والألفة والحكايات.
