ثقافي

عرض الكل

حيّ النُصب.. ذاكرة أبها العمرانية والاجتماعية تستعيد ملامحها الأصيلة

🗓 مايو 4, 2026 ⏱ 1 دقيقة قراءة

يمثّل حي النُصب الأثري في مدينة أبها أحد أبرز الشواهد الحيّة على العمارة التقليدية في منطقة عسير، محتفظًا بتاريخه الممتد وتفاصيله العمرانية التي تجسد ارتباط الإنسان ببيئته المحلية، وتوثّق أنماط الحياة الاجتماعية والثقافية التي شكّلت هوية المكان عبر الأجيال.
وتبرز أهمية الحي في تكوينه المعماري الفريد، حيث تتجاور مبانيه الطينية والحجرية في تناغم بصري، بُنيت باستخدام مواد البيئة المحلية مثل الحجر والطين وجذوع العرعر، فيما تمنح الأزقة الضيقة وتقارب المباني طابعًا اجتماعيًا متماسكًا، يعكس روح المجتمعات القديمة في المنطقة، ويُظهر العلاقة الوثيقة بين الإنسان والمكان.
وأعادت هيئة التراث الحياة إلى الحي عبر مشروع متكامل للترميم والتأهيل، استهدف المحافظة على عناصره الأصلية وتعزيز استدامته، ضمن جهود وطنية لصون التراث العمراني وإبرازه كرافد ثقافي وسياحي.
وتكشف مكونات الطابع المعماري للحي عن عمقٍ تاريخي واضح، إذ يضم حي النصب نحو 21 مبنى تراثيًا تتفاوت ارتفاعاتها بين دور واحد وثلاثة أدوار، وقد شُيّدت اعتمادًا على المواد الأولية المحلية، وتتميّز هذه المباني بصفوف حجرية متراصة تُشكّل العنصر الأبرز في الواجهات، إلى جانب الامتدادات الطينية التي تكمل البناء، في حين ترتكز على أساسات حجرية يتجاوز ارتفاعها مترين إلى ثلاثة أمتار، ويُستكمل البناء فوقها بالمداميك الطينية.
ويبرز الموقع بعناصره الطبيعية، إذ يطل الحي على ضفاف وادي أبها وعلى مزارع المنطقة، مما يمنحه بعدًا بصريًا وجماليًا متفردًا، بينما تعكس الممرات الضيقة، وتقارب المباني نمطًا عمرانيًا تقليديًا يعزز الترابط بين السكان، ويجسد طبيعة الحياة الاجتماعية في تلك الحقبة.
وشمل مشروع الترميم معالجة شاملة للواجهات الحجرية والطينية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، إلى جانب ترميم العناصر الخشبية التقليدية كالأبواب والنوافذ، بما يحافظ على الهوية الأصلية دون الإخلال بمتطلبات السلامة والاستدامة. كما تضمن المشروع تنفيذ أعمال متقدمة في الموقع العام، شملت شبكات تصريف المياه، وأعمال الإنارة، وتأهيل المسارات، بما يتيح تجربة متكاملة للزوار.
وأظهرت بيانات المشروع حجم الجهود المبذولة في إعادة إحياء الحي، حيث تم تنفيذ أكثر من 3000 متر مربع من الأرضيات الحجرية، ومعالجة ما يزيد على 3000 متر مربع من الجدران، إلى جانب تنفيذ أعمال لياسة طينية تجاوزت 4500 متر مربع، وترميم أكثر من 20 مبنى من الخارج، فضلًا عن تطوير شبكات البنية التحتية التي تجاوزت 1000 متر طولي، وتركيب منظومة إنارة متكاملة شملت عشرات الأعمدة والوحدات والكشافات.
وواجه الحي على مدى عقود ظروفًا مناخية صعبة أبرزها هطول الأمطار الغزيرة، مما أدى إلى تأثر بعض المباني التراثية، غير أن فرق العمل تعاملت مع تلك التحديات عبر حلول احترازية، شملت العزل المؤقت للأسطح، وتنفيذ أنظمة تصريف فعّالة، وإعادة تأهيل الأجزاء المتضررة، بما يضمن استدامة المباني وحمايتها مستقبلًا.
ويضم الحي أحد أبرز المساجد التاريخية في منطقة عسير وهو مسجد” النصب التراثي” الذي أنشئ عام 1101هـ في حي النصب بمدينة أبها، ويقع ضمن مشروع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، لترميم وتأهيل المساجد التاريخية بالمملكة. ويقع المسجد وسط الحي، ويتميز ببنائه على طراز السراة، وتبلغ مساحته نحو (281م2)، ويتكون من المصلى القديم وهو الجزء التراثي بالمسجد، وقد بني من الحجر والطين وسقفه من جذوع شجر العرعر، والمصلى الحديث الذي يقع جنوب المسجد التراثي، وقد بني من البلوك والخرسانة، وفناء غير مسقوف، ويوجد بالمسجد دورات مياه وأماكن للوضوء، إضافة إلى مئذنة مربعة الشكل يبلغ ارتفاعها نحو (11.92)م.
ويمثّل حي النصب اليوم وجهة ثقافية وسياحية متنامية في أبها، حيث يستقطب الزوار والمهتمين بالتراث للاطلاع على تفاصيل العمارة الأصيلة، والتعرّف على أنماط الحياة التقليدية التي شكّلت هوية منطقة عسير عبر الأجيال. ويسهم المشروع في تعزيز الوعي بأهمية المحافظة على المواقع الأثرية، بوصفها ركيزة أساسية في تشكيل الذاكرة الوطنية.
ويأتي هذا المشروع في إطار جهود المملكة الرامية إلى حماية التراث الثقافي وإدارته بفعالية، ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تولي عناية خاصة بالقطاع الثقافي، وتعمل على تحويل المواقع التراثية إلى فضاءات حيوية تدعم السياحة الثقافية والتنمية المستدامة، وتعيد ربط المجتمع بجذوره التاريخية.


🏷 ثقافي 🔖